رسالة مفتوحة إلى الأمين العام بالنيابة لمنظمة المجاهدين: لمصلحة من حل الأفلان؟
مناضل
2101

رسالة مفتوحة إلى الأمين العام بالنيابة لمنظمة المجاهدين: لمصلحة من حل الأفلان؟

 وأنا أتابع تصريحاتك المتتالية، التي تدعو إلى حل الأفلان، تبادر إلى ذهني سؤال هام، يقول: لفائدة من هذه الخدمة الجليلة التي تتطوع بها يا سيادة المجاهد المحترم؟.. هل ستكون هدية إلى التيارات اللائكية والتغريبية أم هي لمصلحة الاسلام السياسي، أم أن الفائدة ستعود لعدو الأمس، حيث أن الأفلان لا يزال إلى اليوم غصة في حلوق الاستعمار وأذنابه؟.


إن تصريحك، يا سي محند واعمر بن الحاج، كان من الطبيعي أن يصدر عنك، لأنك تعودت على مثل هذه الخرجات الغريبة، التي تنم عن موقف سياسي، له دوافع شخصية، حاقدة وانتقامية.

لقد سبق هذا التصريح، الذي أدليت به بمناسبة تاريخية هامة، تصريحات سابقة مماثلة، تصب في نفس المنحى، اتخدت شكل الحملة المنظمة، وتزامنت تحديدا مع اعتزال المرحوم المجاهد السعيد عبادو عن ممارسة مهامه، بسبب المرض، حيث وجدت الفرصة سانحة للتعبير عن مكنونات نفسك والجهر بما تريد تحقيقه وهو: اغتيال الأفلان، ببرودة دم، ودون أدنى شعور بالذنب!

أنا هنا لا أبحث عن الدوافع الذاتية، التي جعلتك تتحمس إلى هذا الحد وتدعو إلى "قبر" الأفلان وهو حي يرزق، ذلك أن الدافع الذاتي عادة ما يكون مبنيا على نوازع خاصة، تمليها أحقاد دفينة، وهنا يفرض هذا السؤال نفسه: هل الدعوة إلى حل حزب شرعي، يعود تاريخه إلى ما يفوق نصف قرن من الوجود، لا يهدف إلى تحقيق ما عجز عنه الاستعمار ووكلاؤه، وهو إحداث القطيعة مع جزائر الشهداء والمجاهدين، جزائر ثورة نوفمبر المجيدة؟

لقد تجرأت، يا سيادة الأمين العام بالنيابة، على المطالبة بإلغاء الأفلان، فباسم من تتكلم وعن أي أفلان تتحدث؟.. قبل الإجابة عن السؤال، يهمني أن أِؤكد بأن هذه الدعوة الشاذة، في دوافعها المسمومة وأبعادها المشبوهة، لا يمكن أن تصدر عن المنظمة الوطنية للمجاهدين، هذه المنظمة العريقة، بجوهر وجودها وطبيعة مهامها وقدسية رسالتها، والتي تحتل مقاما رفيعا، يجعلها دوما صوت الحكمة والبصيرة، الذي يرعى رموز الثورة.  

كما يهمني أن أؤكد أن المجاهدين يظلون دائما فوق الرأس والعين اليوم وغدا،  وسواء كانوا في صفوف  الأفلان أو في غيره، ينبغي أن يحظوا بالاحترام والتبجيل، وتبقى آراؤهم جديرة بالعناية والاهتمام، هذا ما أؤمن به ولن أحيد عنه، لأن مجاهدينا الأبطال هم تاج رؤوسنا وفخرنا الوطني، الذي لن نفرط فيه أبدا.

ولا بأس من باب التوضيح، أن أعيد التذكير ببديهية معروفة، وهي أن الأفلان، الذي ينتمي إليه مئات الآلاف من المناضلين، يضم في صفوفه عددا كبيرا من المجاهدين، وهم أكثر غيرة على حزبهم وليسوا مستعدين للتنازل عنه أو التفريط فيه، تحت أي مسمى، ولن تؤثر في عقيدتهم الراسخة كل هذه التهجمات، التي ترمي إلى ضرب عنوان بارز، يرمز إلى جزائر الكبرياء والشموخ.

كما يقتضي المقام التذكير أيضا، بأن الأفلان والمجاهدين يرتبطان بتاريخ  مجيد وهما مسؤولان بصفة مباشرة على مواجهة كل من يسعى إلى قطع الصلة بثورة نوفمبر وتشويه صانعيها من الشهداء الأبرار والمجاهدين الأبطال، ذخر الجزائر النفيس والعلامة الناصعة التي ترمز إلى النصر المبين في ثورة مجيدة، قادها الشرفاء الذين ما خانوا وما باعوا وما بدلوا. 

ويبدو واضحا، يا سيادة الأمين العام المؤقت، بأن العين التي تنظر بها إلى الأفلان ليست هي نفسها التي ترى بها الأحزاب الأخرى، فهل هي ذهنية الوصاية التي تملي عليك هذا الموقف العدائي، أم أن الغيرة على هذا الحزب هي التي جعلتك تدعو إلى قتله؟، ولنفترض أن الأفلان اليوم لا يرضيك أو لا يحظى بإعجابك، فهل تملك الحق في الدعوة إلى إعدامه؟

إن المعركة ليست بين الأفلان والمجاهدين، خاصة وأنهما في خندق واحد، تجمع بينهما قواسم مشتركة ويلتقيان بقوة في القضايا الوطنية الكبرى والمصيرية، ولكن الاختلاف قائم مع كل من يتطاول على سيادة  هذا الحزب، مهما كانت الصفة التي يتغطى بها.

 ثم، يا سيادة الأمين العام بالنيابة- وأكرر هنا بأن احترام المجاهدين فرض عين على كل الجزائريين- ألا ترى بأنه من الضروري التمييز بين صفة المجاهد وصفة المناضل، ولذلك أرى بأنك قد أخطأت العنوان، من منطلق أنك لست مناضلا في الأفلان ولا يحق لك بتاتا، مع احترامنا الكبير لشخصك الكريم ولمكانتك على رأس منظمة محترمة- أقول لا يحق لك التدخل في شؤون حزب شرعي، بصفتك كمجاهد.

ودعني، من باب التذكير، أعود بك إلى ما بعد الاستقلال، حيث أنه ولظروف تاريخية معروفة، هناك من المجاهدين الرواد من اختاروا تأسيس حركات سياسية، بينما فضل البعض الآخر عالم المال، وكان لكل منهم وجهته الخاصة، إلا أن المناضلين الأوفياء للأفلان ظلوا كالقابض على الجمر، ووقفوا إلى جانب إخوانهم ممن تحملوا مسؤوليات بناء الدولة الجزائرية الفتية. فلماذا القفز على هذه الحقيقة التاريخية؟

وهل يكفي التنديد بما أدليت به من تصريح، يا سيادة الأمين العام المؤقت؟ إن التنديد قد لا يكفي، لأن دعوتك إلى إزالة الأفلان من الوجود، تعني في الجوهر إعلان حرب مفتوحة على مئات الآلاف من المناضلين الشرفاء، الذين احتضنوا الأفلان، في وقت تبرأ فيه البعض، هروبا من حمل الأمانة.

ثم، ألا ترى، بأن هناك خلطا واضحا بين جبهة التحرير التاريخية التي جاهدت أنت وإخوانك المجاهدين تحت لوائها، وحزب جبهة التحرير الوطني، الذي هو ملك مناضليه، وهم وحدهم من يحددون مستقبله ويقررون مصيره، في حين يبقى الشعب وحده، المخول دستوريا بإبقاء هذا الحزب أو إلغائه من الوجود.

أليس غريبا- وأنت تنتمي إلى تيار سياسي آخر- أن تطالب بحل الأفلان، في عدوان صارخ وسافر على مناضليه، الذين دافعوا عنه وتصدوا لخصومه! فأين كنت وأين كان هؤلاء الذين يذرفون دموع التماسيح على الأفلان، بدعوى الخوف عليه، عندما كانت المعركة حامية الوطيس، وكانت المواجهات شرسة مع الإسلاميين واللائكيين والتغريبيين وأعداء الهوية النوفمبرية والحضارية للشعب الجزائري؟

أليس هذا هو منطق "الانقلابيون الجدد"، وهي حرفة قذرة ومنبوذة ولم تعد صالحة في هذا الزمان، وهنا أعود إلى سؤالي السابق: باسم من تتحدث، وماذا تمثل من حيث العدد ومن حيث الأهمية الثورية والجهادية، ومن حيث الحق في الإفتاء في شؤون حزب، لست مناضلا فيه ولا تربطك به أية علاقة عضوية.

إن الغيرة، حتى وإن كانت سمة من سمات الشرف والمروءة، فإنها قد تتحول إلى عاطفة مرضية قاتلة، وإذا كان لنا أن نتوخى الصدق في تلك الغيرة التي تفيض بالحماس، إلى درجة أنها لم تجد في الأفلان إلا ما هو سيء، فلماذا كل هذا الظلم في حق مئات الآلاف الذين يناضلون في صفوف الأفلان، وهم مناضلون شرفاء، يحملون أفكارا نظيفة ويحترقون من أجل تجسيدها في إطار حزبهم من أجل خدمة الوطن والشعب.

لذلك كله، وجب التنبيه لكل هؤلاء ولمن هم على شاكلتهم  وكل من ينظرون إلى الأفلان بالنظارات السوداء، حتى أصبحت الرؤية عندهم مظلمة أو منعدمة،  بأن هذا الحزب ليس ملكا مشاعا ولا هو تركة قابلة للتوزيع، بل هو ملك لمناضليه، يحرسونه ويذودون عنه ولا يتنازلون عن وجوده.

ولنا أن نتساءل مجددا: ما هو الأفلان، الذي يتحدث عنه هؤلاء المصابين بمرض الوصاية،  هل هو ذاك الذي كان زمن ثورة التحرير أو هو ذاك الذي كان في عهد الأحادية،  ثم وهذا هو الأهم، من هم  أبناء هذا الحزب، هل هم كل المجاهدين الذين كانوا في زمن مضى وفي عهد رحل، وقد اختار بعضهم "العزلة" أو "الفرجة" أو الانضمام إلى أحزاب أخرى، دون التفريط في حق الوصاية! ألا يعني ذلك أن المناضلين الذين يوجدون اليوم في صفوف الحزب، وفيهم أعداد كبيرة من المجاهدين الأخيار، هم دخلاء وغرباء و"غزاة" و"بلطجية" و"سراق"، جاءت بهم المصالح، مما يعني أن دعاة الحل، هم الشرعيون الذين يحتكرون قيم الجهاد والنزاهة والإخلاص، وأن ما عداهم مرتزقة ومزيفون.

 وإننا تقدر هذه الغيرة على الأفلان، تماما مثل تقديرنا لكل المجاهدين الأخيار، الذين نكن لهم المحبة والاحترام، لأنه بفضل جهادهم وتضحياتهم ننعم اليوم بالحرية، لكنك تعلم، يا سيادة الأمين العام المؤقت،  بأن الغيرة قد تصبح هدامة، وقد تأتي بعكس ما هو مطلوب! وإني أسألك بصدق: إذا اغتيل الأفلان، فلصالح من ستخلو الساحة؟ أم أن الهدف هو إحداث القطيعة مع كل ما يرمز إلى ثورتنا التحريرية المجيدة؟

إنك لا تجهل بأن الحملة التي تطال الأفلان اليوم لم يسلم منها المجاهدون، الذين يتعرضون هم أيضا إلى حملات التشويه والإساءة من الحاقدين على ثورة نوفمبر المظفرة، كما تستهدف الحملة الجيش الوطني الشعبي، سليل جيش التحرير الوطني! ألا ترى بأن الاستهداف مركز على هذه الجبهة، التي يراد تدميرها لكي تخلو الساحة إلى من يريدون إعادة الجزائر إلى سجنها الاستعماري البغيض؟

ودعني أعترف لك بأن الأفلان قد لا يكون بالصورة التي يحلم بها كل مناضليه، وأن مسيرته بها انتصارات كما تخللتها انكسارات، وإذا كان لك الحق كمجاهد ومواطن في انتقاد مواقف هذا الحزب، فإن الحق في الدعوة إلى إلغائه من الساحة السياسية لا يملكه إلا مناضلوه والإرادة الشعبية الحرة والسيدة.

وإني أدعوك، بكل احترام ومودة، أن تدع الأفلان لمناضليه، فهم أكثر حرصا على حمايته وتحصينه وتطهيره من الدخلاء والمندسين والفاسدين، وإبقائه وفيا لرسالة نوفمبر وعهد الشهداء، ولا بأس أن أتجرأ في القول: إن الجزائر الجديدة التي ينشدها الشعب، من خلال حراكه السلمي ومطالبه لمشروعة، لم يعد فيها مجال للوصاية، خاصة وأن هذه الثقافة البائدة أو الحرفة البائسة، التي فرضتها ظروف تاريخية معينة، قد خلفت في بعض الأحيان الخراب والدمار، ولذلك فإنها لم تعد صالحة في هذا الزمن.

وخلاصة القول، إن الأفلان اليوم حزب وليس جبهة، وعلى الذين يتحدثون عن "الإرث التاريخي" وعن "ملكية" الشعب، وما إلى ذلك من تعابير خادعة، أن يعلموا أن الافلان هو حزب ككل الأحزاب، لا يعيش على مخزونه التاريخي ولا يواجه تحديات المستقبل برمزية شعاره، وكثيرة هي الشواهد التي تؤكد بأن المتحف كان مصير أولئك الذين تجرؤوا على الدعوة لإيداع الأفلان في المتحف، فإذا بهم اليوم خارج التاريخ.

وها أنا أدعو نفسي كمناضل وأدعوك كمسؤول محترم، إلى أن نعمل معا، كل في مجاله، لكي نحقق النجاح المأمول، فتصبح منظمة المجاهدين، بنتائجها المشهودة وآثارها الملموسة، كما يريدها المجاهدون، ويصبح الأفلان بأصالته ومواقفه المسؤولة، كما يريده المناضلون وبما يرضي الشعب.

وفي الختام، إن هذه الرسالة المفتوحة إلى شخصك الكريم، هي من باب التذكير بأن هناك معارك خاسرة، لن تجني منها الجزائر ولا قيم الثورة التحريرية إلا الخسران المبين، فلننتبه ولنحذر.. إن التاريخ لا يرحم.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة