خذ سلاحك وحارب، فأنت الآن وحدك!؟
خليفة بن قارة
213

خذ سلاحك وحارب، فأنت الآن وحدك!؟

مَنِ الذي تجاوز الآخرَ بفكره وتطلعاته، فبدا له هذا العالم عاريا، من كل مساحيق الاحتيال السياسي، وقد تصهين جُلُّ ما فيه، هل هي الشعوب العربية التي انتابها فجأة، إحساس بأن تضحياتها عبر التاريخ، راحت هدْرًا، حينما أخرجت من أصلابها، نُطَفًا فاسدة، تحمل جينات قُطّاع الطرق، فثبّتتهم رؤساء قبائل، برتبة مللكٍ أو أميرٍ أو رئيس، أم هم حُكّام هذه الخارطة، التي أصبحت نتنة، بروائح الجثث الساقطة عبثا؟ وهل يكون حكام هذا العصر، اكتشفوا أن كل الأجيال الماضية، التي ناضلت وحاربت وجاهدت، من أجل الحق العربي والإنساني في فلسطين، كانت على ضلال وأخطأت، وحان وقت محاسبتها، وتقديمها إلى المحاكمة، وإعادة كتابة التاريخ، انطلاقا من الاعتراف بالغزاة الجُدُد، الذين جاء بهم »حق القوة« الغربي، كأمرٍ واقعٍ يتكرّس كل يوم مع مرور الزمن، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون انحناءة تاريخ، سرعان ما تُصوِّبه الأمة حينما تنتفض، وتُسقِط كل الخيانات التي عشّشت في عواصم الجبن والذل والمهانة ؟

قد يكون الفلسطينيون وحدهم، مَن يعرف الإجابة الحقيقية، لأنهم الوحيدون مَن يملك مكنسة التاريخ، التي لا تُخطئ في قذْف الزوائد السياسية الدودية، التي عفّنت نظام الحكم العربي، خارج هذه الخارطة، فرغم انقسام الصف الفلسطيني، في مواجهة المحتل، إلا أن الفلسطينيين ظلوا مُصِرّين على العودة إلى الديار، التي أخرجوا منها قبل سبعين عاما، مُتخطِّين حواجز الخيانة، التي أقامها الأعراب لهم على طول الطريق، خاصة دول الخليج المتنافرة، بواسطة منافقيهم من فقهاء الدِّين والسياسة، الذين خرجوا مع جوقة دونالد ترامب، بفتاواهم على الأمة بالباطل، من أن للصهاينة الحق الدينيّ والتاريخي في القدس، كما للمسلمين الحق في مكة المكرّمة، ولأنهم لم يكونوا سوى رجْعِ صدى، لأسوأ رئيس أمريكيّ، أقام في البيت الأبيض فسوّده، فإنهم أنكروا الحق التاريخي الثابت للفلسطينيين، حتى وإن كانت الشرعية الدولية، أقرّته منذ بداية تاريخ السطو على أرض فلسطين، من طرف العصابات الصهيونية، التي صنّفها العالم يومئذ، جماعات إرهابية .

يرابط الفلسطينيون- منذ منح ترامب مدينة القدس الفلسطينية، التي لا يملك منها شيئا، إلى الكيان المحتل، الذي لا يستحق- يرابطون على طول السياج، الذي يفصل قطاع غزة، عن بقية الأرض الفلسطينية المحتلة، وهم ينتظرون اليوم الموعود، لاجتياز ذلك الخط الوهميِّ المُسيَّج بالموت، من أجل الوصول إلى مدنهم وقراهم، التي أُخرِجوا منها ظلما وعدوانا، والعودة إلى بيوتهم، التي ورث الأحفاد مفاتيحها عن آبائهم وأجدادهم، وإن كانوا وحدهم إلا مع حجارتهم الضاربة، وطائراتهم الورقية الحارقة، فإن اختناقات السير على خط النار، هو ما يُؤلِم عصابة إدارة الاحتلال، ويُخيف حُكّام مدن العار، ما معنى أن تحتفل مصر والإمارات الرسميتان، بيوم النكبة، الأولى بالمشاركة في احتفالات السفارة الصهيونية في قاهرة المعز، والثانية بدرّاجيها الذين أطّروا سباق الدراجات في قدس عمر بن الخطاب، ضمن تظاهرة رياضية تحمل طابعا سياسيا ؟ بقدر ما يُعتبَر احتفال عواصم الرِّدَّة بالنكبة الفلسطينية، انفراجا رسميا من حكام هذه الدول لصالح الكيان الصهيوني، بقدر ما يُعتبَر إلغاءً لحل الدولتيْن المُجحِف في حق الفلسطينيين، والذي روّج له العالم طويلا، ولكنه مضى كحلم، ليستيقظ الفلسطينيون بعده ، وقد وجدوا أنفسهم، ليس خارج وطنهم فقط، بل خارج الحلم بوطن ؟

إذا كان الأعراب ومَن سار في فلكهم، طمعا في مال شعوبهم، قد حوّلوا وِجْهة مسيرة الأمة، من الوقوف مع الشعب الفلسطيني، في قضيته الإنسانية العادلة، إلى إشعال الحرائق في دول الدّعم المجاورة، ومحاولة نقْل شرارة النار، إلى الخارطة المغاربية، التي ظلت الجزائر فيها شُعلة تضيء طريق المكافحين، وقاعدة خلفية ثابتة للشعب الفلسطيني، إلى أن يسترد حقوقه، فإن الفلسطينيين مطالبون أكثر من أيِّ وقت مضى،  بتأجيل خلافاتهم الأيديولوجية والعقائدية إلى ما بعد التحرير، واستجماع قوتهم الذاتية الجبارة، وليتركوا المبادرة للجيل الجديد، خاصة الأطفال الذين أثبتوا أنهم أبطال، سواء بحجارتهم الضاربة في الأرض والسماء، والتي يعرفون كيف يُصوِّبونها، ويرجمون بها عدوَّهم وعدوّ الإنسانية، أو بطائراتهم الورقية الحارقة، التي أبطلوا بها مفعول الترسانة التكنولوجية الصهيونية الرادعة، فهؤلاء الأطفال الأبطال، الذين لم يضيعوا في متاهات الطريق، بعدما تبيّنوا سبيل العودة إلى المدن الفلسطينية الثكلى، بل هم مَن سينتشل شعبَهم من وحل العرب وبؤسهم، و بعد ما تأكدوا أنهم وحدهم، سيعرفون  كيف يعدون أنفسهم ويخوضون حروبهم المباشِرة، أعتقد أنهم سيستلهمون العبرة الكبرى، من مجازر الثامن مايو عام 1945، التي قدّم فيها الجزائريون عشرات الآلاف من الشهداء، عبّدوا بهم طريق النصر النهائي، واحتفلوا أمس بذكراها الثالثة والسبعين، وكما غيّر الجزائريون بها مسار التاريخ، حينما دقّوا المسمار الأول في نعش الاحتلال الاستيطاني الفرنسي، الذي لا يُشبِهه غير احتلال آل صهيون لفلسطين، فإن الفلسطينيين سيُبدعون- بعيدا عن ظلم الأعراب وخياناتهم- في ذكرى النكبة التي ستحل بعد أسبوع.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة