حول نهاية الإسلام العربي
عامر بغدادي
487

حول نهاية الإسلام العربي

بداية لا بد من التوضيح أن هناك إسلاما واحدا نزل على نبي واحد في مكان واحد خلال فترة محددة، وهو دين ودنيا صالح لكل زمان ومكان.


القوم الذين نزل عليهم  الإسلام والمكان الذي نزل فيه والرسول الذي حمل الرسالة كل ذلك لا ينبغي أن يصنف على أساس البداوة أو الحضارة التي هي ظواهر اجتماعية تمس مختلف الشعوب بينما الإسلام هو قيم سماوية كونية عابرة للعصور، متجاوزة للظواهر الاجتماعية ولا يحدها الزمان ولا المكان، والأمر نفسه بالنسبة للديانتين اليهودية والمسيحية فلا يمكن أن نصنف أتباعهما بالبدو أو الحضر.

الديانات السماوية على وجه العموم قيم عابرة للجماعات البشرية والكيانات السياسية مع أن مكة موطن نزول الإسلام كانت من أرقى الحواضر في عصرها، وتعتبر أقدم مدينة في غرب آسيا، لأن تاريخها المعلن يعود إلى عصر إبراهيم الخليل وابنه اسماعيل عليهما السلام أي منذ أربعة آلاف سنة، وقليلة هي المدن التي عمرها اليوم أربعة آلاف سنة.  

كما أن يثرب أو المدينة، كما عرفت في العهد الإسلامي كانت من أقدم حواضر غرب آسيا مثلها مثل مكة، وسكان هذه الحواضر التي نشأ فيها الإسلام كانوا تجارا بمعنى أنهم لم يكونوا أهل بادية، عرفوا الرقي والتنظيم وكانوا يتميزون بنظام اجتماعي خاص بهم. ولذلك فالإسلام كديانة لم ينزل على أهل بادية بل على أقوام حضر، وفي كل الأحوال، فهو دين سماوي يؤخذ كاملا كما نزل أو يترك.

حقيقة هو نزل على العرب في أرض العرب وجاء به نبي عربي لكنه رسالة موجهة لكافة البشر، إلا أن الإنسان ليس مكرها على أن يكون مسلما، لأن الله عز وجل يقول في محكم تنزيله في سورة البقرة "لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي".

كما يقول في نفس السورة "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت"، ويقول في سورة الكهف" فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" وهذه هي الحقيقة التي يجب أن يعرفها كل متنطع يسعى للنيل من الإسلام وطعن العرب كلما طفح رهج النزعة العرقية لديه أو حن إلى نزعته الأيديولوجية البائدة.

كما أن الإسلام ليس بضاعة معروضة للبيع وليس فيه سوق للتجزئة، بمعنى آخر ليس هناك إسلام عربي وإسلام فارسي وإسلام بربري وإسلام تركي وخامس هندي وسادس أوروبي وسابع أمريكي وثامن بوذي وتاسع هندوسي، فلا وجود لتسعة رهط في الإسلام.

ويعني ذلك ليس هناك إسلام جزائري وآخر فرنسي وآخر سعودي أو إيراني أو إسلام تقدمي متنور وآخر رجعي متخلف، أي لا وجود لإسلام يفصل على هوى المرء، فمن أراد أن يؤمن بالإسلام عليه بالالتزام بالقرآن كتاب الله الخالد وسنة المصطفى عليه أطيب الصلاة وأفضل السلام، وهناك مذاهب إسلامية معروفة للخاص والعام. فعلى سبيل المثال نجد أنه في عموم بلاد المغرب وكذا في جنوب مصر وكذا السودان وسواحل الخليج العربي يسود مذهب الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه.

والمذاهب هي مدارس اجتهادية فقط لا غير، أي ليست ديانات موازية للإسلام، والإجتهاد مسموح به، ومن أراد أن يلتزم باتباع مذهب من المذاهب الإسلامية فله ذلك، لأن مرجعيته تظل إسلامية.

 يمكن للمسلم كذلك أن يساهم في تجديد الخطاب الديني ولكن ليس في القرآن و السنة، ونعني بالخطاب الديني ما يتم تداوله من خطب في المساجد وما يقدم من أحاديث وفتاوى في وسائل الإعلام وما يكتب عموما بما لا يمس بالقواعد الكبرى للدين، وما عداه يجوز للمختصين تناوله ضمن الأطر العامة للإسلام والبحث في سبيل تجديده بما يتوافق وروح العصر وبما يستجيب لتطورات الحياة، لكن يظل أهل الاختصاص هم المعنيون بالبحث في ذلك دون غيرهم.

أقول ما قلت لأني اطلعت على مقال في يومية "الحياة" كتبه حميدة عياشي تحت عنوان "نهاية الإسلام العربي" فكك فيه الإسلام إلى عربي وإيراني وتركي وأعطى لماليزيا وإندونيسيا نصيبهما أو سهمهما من الإسلام وهما لم يطلبانه منه دون شك، لأنهما ملتزمان بالإسلام دون أي نزعة إقليمية.

تضمن المقال مجموعة من الأفكار تبدو كأسطوانة معادة لما كتبه المستشرقون ومؤرخو الاستعمار الفرنسي وكل معاد للإسلام كبقايا الشيوعيين مثلا ومرتدي آخر زمان ودعاة النزعات العرقية الفاشية التي تعربد هذه الأيام مشرقا ومغربا وتسعى لمحو كل ما هو عربي إسلامي.

وتهجم كاتب المقال بصورة فجة وبأسلوب منفر على ما وصفه بالإسلام العربي الذي وسمه بالبداوة وقسمها هي الأخرى إلى بداوة ونيوبداوة. وذكرني مقال "نهاية الاسلام العربي" بمقال مشابه كتبه أمين الزاوي في وقت سابق بجريدة "ليبرتي" تحت عنوان "نهاية المغرب العربي".

ولذلك أرى أن هناك تناغما واضحا بين الطرفين خاصة وأن نشر المقال تزامن مع الحملة التي قادها مجموعة من المثقفين والكتاب الجزائريين ضد المقال الذي كتبه الزاوي والذي حمل فيه الإسلام والأضحية كل مساوئ العصر وربط فيه بين الإسلام كدين والبداوة كظاهرة ألصقها بالعرب دون غيرهم من الشعوب وكأنها خاصة بهم وليست ظاهرة من الظواهر الاجتماعية العامة.

كتابات الزاوي عن الإسلام والعرب معروفة، تعكس عداءه لكل ما هو مسلم على وجه العموم ولكل ما هو عربي على وجه الخصوص.

ويبدو أن عياشي تعاطف معه في وجه من انتقدوه وانتقل هو الآخر للهجوم على الإسلام كدين وعلى العرب كجنس بشري، ويتضح من ذلك، أن كل من هب ودب يسن اليوم سكينه لضرب الإسلام وتقطيع ما بقي من لحم العرب بعد طغيان الغرب عليهم وإعادة احتلال بلدانهم وتدميرها ونشر الصراعات العرقية والمذهبية والقبلية بين مواطنيها، فقد وصف عياشي الدين الإسلامي بأنه دين الغزو والغنائم والسبي وسيطرة العصبية العربية على الشعوب الأخرى.

ودعا إلى إنقاذ الدين مما وصفه بسطوة الإسلام العربي، الذي قال عنه إنه عدو الإسلام ويقف حجر عثرة أمامه ليصبح إنسانيا هكذا إنسانياً.

وبالنسبة له فإن "الإسلام العربي" لم يعد صالحا لتمثيل الدين. وقال إن انتشاره في بلاد المغرب كان صعبا وإن ازدهاره وتمدنه جاء من طرف شعوب غير عربية. مشيرا إلى أن الفهم العربي للإسلام يستمد من قوله تعالى إنا أنزلناه قرأنا عربيا، وقال إن ربط الوحي بالعنصر العربي كقريش يهدف لفرض جغرافية إيديولوجية متحجرة وقبلية. واعتبر ما وصفه بالوهابية وحركة الإخوان المسلمين قراءة عربية معاصرة متخلفة للإسلام.

ولذلك نرى أنه من الأهمية تقديم التوضيحات التالية:

إن مفهوم الآية الكريمة إنا أنزلناه قرأنا عربيا لا تعني العرب كقوم ولكن تعني اللغة العربية كلسان بمعنى ان القرآن نزل بلغة العرب ليسهل لهم فهم الدين الجديد و يتم استيعابه مصداقا لقوله تعالى في سورة إبراهيم وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه.

يقول الله عز وجل في سورة النحل لسان الذي تلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين. فاللسان هو اللغة، وهذه الآية تكررت مرارا في القرآن الكريم ويقصد بها المولى عز وجل اللغة العربية، ولذلك فالعرب كقوم لم يذكرهم القرآن بهذه الصفة ولا مرة واحدة مقارنة مع بني إسرائيل أو اليهود الذين ذكروا مرارا وتكرارا عبر العديد من السور، لكن القرآن تكلم عن الأعراب وهم طائفة من العرب تعيش حياة البداوة كالكثير من الشعوب وهذا ليس عيبا.

إن القرآن الكريم لم يتوجه للعرب فقط وإن نزل بلسانهم ولكنه يخاطب كل الجماعات البشرية بقوله يا أيها الناس أو يا أيها الذين آمنوا أو يا قوم، وكلمة قوم تعني جماعة من الناس تكون بينهم صلة قرابة وأطلقها القرآن على الأقوام التي سبقت ظهور الإسلام وأرسل الله لهم رسلا منهم ولم يخص بها العرب وحدهم. ولم يذكر القرآن مكة مكان الوحي إلا مرتين، مرة باسمها المعروف اليوم والثاني بكة، كقوله جل وعلا ببطن بكة.

 إن انتشار الإسلام في بلاد المغرب كان في حقيقته حركة تاريخية مفصلية في حياة أسلافنا انتقلوا بفضلها من طور الخضوع للسيطرة الرومية إلى طور التحرر والمساهمة الفاعلة في مسيرة البشرية، ولذلك كان الإسلام في جوهره حركة لتحرير المنطقة من الاستعمار الرومي أي البيزنطي لأن البربر أو الأمازيغ كما صار يقال الآن لم يكونوا هم حكام البلاد حتى تتم المواجهات معهم وكانوا تحت السيطرة البيزنطية.

ولم تكن الصدامات التي وقعت موجهة ضدهم باستثناء حالات محدودة التقى فيها المسلمون بهم كموقعة الكاهنة أما موقعة تهودة حيث استشهد عقبة رضي الله عنه فقادها الروم بمساعدة من البربر، وكانت الواقعة انتقاما من عقبة للثار لمقتل قائدهم غريغوري أو غريغوريوس حاكم بلاد المغرب من طرف بيزنطة.

لم تكن الجزائر أو المغرب الأوسط هي المقصودة بتحركات المسلمين الأوائل بل كانت تونس مقر الحاكم البيزنطي هي الهدف، كان مسعى المسلمين نشر عقيدة التوحيد لكن الهاجس الحقيقي لديهم كان تحييد خطر الوجود الرومي إلى الغرب من مصر لتأمينها بعد أن تم طرد الحاكم البيزنطي منها، ومصر بالنسبة لهم كان تحريرها ضروريا لتأمين منطقة الشام بعد أن تم القضاء على الوجود الرومي في فلسطين وما جاورها، إذن لم يكن الهدف الأساسي محاربة قبائل البربر ولا احتلال أرضهم فلم يكونوا هم الحكام وكانت معظم المعارك مع البيزنطيين، ولذلك تعتبر المعارك التي قادها المسلمون ضد الوجود الرومي مساهمة عربية قيمة في تحرير شمال إفريقيا من مصر حتى المغرب من سيطرة الاستعمار الثلاثي القديم الروماني الوندالي الرومي.

 لقد امتدت المعارك بين المسلمين والبيزنطيين حوالي نصف قرن، من سنة 647 من بداية التقويم المسيحي بوصفها أول معركة بين الطرفين وقتل فيها الحاكم البيزنطي غريغوار أو جرجير، حتى سنة 698 م تاريخ آخر معركة خاضها حسان بن النعمان ضد الحامية العسكرية الرومية في قرطاج وبتحريرها انتهى الوجود البيزنطي في بلاد المغرب.

وكما أوضحنا، فأغلب المعاراك دارت بين المسلمين والبيزنطيين باستثناء بعض المناوشات المحدودة كتلك التي جرت بمنطقة الأوراس قبل أن يعرف البربر حقيقة الإسلام، وبعد أن اندمجوا في الدين الجديد ساهموا  في نشره وصار منهم قادة كبار ذوي شأن عظيم كطارق بن زياد ويوسف بن تاشفين وزيري بن مناد وبلكين بن زيري وحماد بن بلكين والناصر بن علناس وعبد المؤمن بن علي ويعقوب المنصور ويغمراسن بن زيان وغيرهم كثر، استفاد البربر من تحرير المنطقة من الوجود الرومي وأقاموا دولا وحواضر رائدة. ودامت تلك الدول والحواضر طيلة العصر الإسلامي الذي لم يكن عصر ظلام بل كان عصر نور وتنوير. وتم نقل حركة التنوير إلى أوروبا عبر الأندلس.

 كانت الجيوش تعود الى مصر او الشام بعد نهاية مهمتها، لا تستقر في بلاد المغرب وهو ما يدل دلالة قاطعة على أن هدف المسلمين لم يكن غزو البلاد ولا احتلالها ولا إخضاع أهلها كما فعل الرومان والوندال والروم قبلهم، وكما فعلت إسبانيا المسيحية وفرنسا الاستعمارية، بالنسبة للتجني على تلك الجيوش بأنها كانت تقوم على الغزو والسلب والنهب والسبي وجمع الغنائم.

نورد واقعة جرت في مصر مع بدايات نشر رسالة الإسلام تشير إلى أخلاق تلك الجيوش، فقد ذكرت كتب التاريخ أن حاكم مصر البيزنطي المعروف لدى المؤرخين العرب بالمقوقس عرض على عمرو بن العاص وقادة جيشه سرا رشوتهم بالأموال ليردهم عن حصار مقر حكمه لكنه فشل في مسعاه لأنهم رفضوا ذلك، وقال عمرو بن العاص كلمته الشهيرة: إنه ليس بيني وبينكم إلا احدي ثلاث خصال، إما دخلتم الإسلام فكنتم إخواننا وإن أبيتم أعطيتم الجزية وإما جاهدناكم بالصبر والقتال. فقوم هذه أخلاقهم لا أعتقد أنهم يغيرونها ويميلون للسلب والنهب وجلب الغنائم وسبي النساء والأطفال، هذه من مخترعات وأباطيل أعداء الإسلام.

 بعد انتشار الإسلام وشموله المنطقة الحالية المعروفة اصطلاحا بالعالم العربي، والنسبة هنا للغة وليس للقوم، فتح القادة الأوائل الباب واسعا أمام الأقوام حديثة العهد بالإسلام لأن الأخوة الإسلامية هي التي تجمعهم لتقلد المناصب والمساهمة في نشر الدين الجديد، فساهمت تلك الأقوام كالفرس والترك والأمازيغ والزنوج والهنود في الحضارة العربية الإسلامية التي كانت حضارة قيمها كونية والشعوب المشاركة في صنعها عالمية واللغة التي تحمل قيمها عربية، بمعنى أن الحضارة هنا تقوم على تلك القيم ذاتها وعلى اللغة التي تحملها وتنقل العلوم والمعارف وتشكل أداة التواصل بين الشعوب المختلفة، فلم يحتكر العرب القيادة ولم يسيطروا بالحديد والنار على غيرهم من المسلمين فالأخوة في الدين بالنسبة لهم تتجاوز الأخوة في النسب، ومعروف رأي الحبيب المصطفى، ص، في النزعة العرقية بقوله ،أتركوها إنها نتنة، والنتن ينفر منه الإنسان.

لعل الفترة الوحيدة التي تقلد فيها قادة عرب الحكم تحت راية الإسلام هي العهد الأموي والعصر الأول من العهد العباسي. والحكم في تلك الفترة كان في حقيقته صراعا عربيا- عربيا، لا علاقة له بالشعوب الأخرى، وفي بلاد المغرب تولى الأمازيغ الحكم في وقت مبكر، فالفتوحات الإسلامية انتهت مع موسى بن نصير في حدود سنة 704م، وولى موسى بن نصير طارق بن زياد الذي يعرف عنه أنه بربري حكم منطقة طنجة ثم كلفه بفتح اسبانيا سنة 711م، أي بعد بضع سنوات فقط من انتهاء حركة الفتوحات، وكانت كل الدول التي تأسست في بلاد المغرب بربرية بدءا من الإمارة الرستمية وبعدها المرابطون والزيريون والحماديون والموحدون والحفصبون والزيانيون والمرينيون، باستثناء فترة الأغالبة الذين قضى عليهم الفاطميون.

 وأخيرا نقول إن من لهم الحق في البحث في تجديد الخطاب الديني،  وهذا هو الذي يجب أن تدور حوله النقاشات وليس الطعن في الإسلام وسب العرب، هم المختصون في الدين وليس كل من هب ودب، قد يحتاج المختصون إلى مساعدة كفاءات في تخصصات أخرى لكن هؤلاء يظلون أقلية استشارية لا غير أما الرأي الحقيقي فيحب أن يعود لذوي الاختصاص من رجال الدين دون غيرهم.

وخلاصة القول إن مقال عياشي يتضمن دعوة عرقية معادية للعرب كجنس بشري، وتعبر عن نزعة فاشية ترى العرب كقوم مجرد بدو وأن الإسلام الذي جاؤوا به لم يعد نافعا للبشرية فيجب التخلص منهم ومن دينهم، وهي نفس الأفكار التي ينادي بها غلاة المفكرين اليهود في الغرب للتحريض على إبادة العرب عبر الإدعاء بأنهم كانوا عالة على البشرية وأنهم بدو متخلفون ودينهم دين يرتبط بالبداوة، والمؤسف أن الفتن الجارية في المنطقة والتي تختلط فيها الصراعات العرقية والقبلية بالاقتتال المذهبي والطائفي هي تطبيق حي لتلك الأفكار.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة