جامعة تُفرِّق... وما زالت تُدمِّر ؟!؟
خليفة بن قارة
46

جامعة تُفرِّق... وما زالت تُدمِّر ؟!؟

أعتقد أن العرب كانت فرحتهم كبيرة، باقتراح بريطانيا التي كانت عظمى، القاضي بإنشاء جامعةٍ تضم دولهم الناشئة، بعد كل الأضرار التي ألحقتهم بها، قبل انحسار الظاهرة الكولونيالية، وظنوا أنه تكفير منها عما أصابهم منها، من غُبْن تاريخيٍّ وحضاري، وراحوا ينزعون عن هذا المزار ألبسته، ويُزيِّنونه بجلابيبهم، حتى تحوّل في زمن انتعاش مرحلة التحرّر الوطني، إلى منبر كبير يرفع فيه النظام العربي عاليا، شعارات الشعوب في التحرّر والتقدّم والوحدة، ويحميه قادةٌ وزعماء، أعطتهم الشعوب كل الأسباب، التي تؤكد لهم شرعية حكمهم، وتحفظها لهم، ولو بالتّطرّف في التفافها حولهم، حتى كادت تجعلهم أصنامًا تُعبَد، بل منحتهم صكًّا على بياض، ليذهبوا بها حيث يشاءون، ولكن سرعان ما تبخّرت أحلام الشعوب، بمجرّد رحيل هذا القائد، أو سقوط القناع عن ذلك الزعيم، وعادت جامعة الدّول إلى ممارسة دورها القديم، الذي سطّره لها المُحتلون القُدامَى الذين جدَّدوا فقط، طرق احتلالهم بأساليب ناعمة، بل تكون زادت عليه، في قمع الشعوب واغتيال طموحاتها .
قد تكون العشرية الأخيرة من القرن الماضي، هي الانحناءة الحقيقية المُخزِية، في مسار هذه المؤسّسة الإقليمية، بالرغم من أن العطب الكبير، كان أصابها في خروج مصر عن الإجماع العربي، حينما جنح رئيسها الأسبق أنور السادات، إلى معسكر الكيان الصهيوني، العدو التاريخيّ الدائم للأمة، ولكن يمكن أن نقول إن المُنعرَج الذي أخذته الجامعة المُفرِّقة، هو احتلالها التعسّفي- ماليا- من طرف النظام الملكي والأميري في الخليج، وتسلّطُ هذا النظام على قراراتها، وتوجيهُها الوِجهة التي يرتضيها الغرب الرسمي المُختطَف هو الآخر من طرف الصهيونية العالمية، والساعي إلى تأمين مصالحه الحيوية في المنطقة، والتي يرى أنها تتعارض، مع انبعاث أيِّ نهضةٍ للأمة، التي ما زالت في الفكر الكولونيالي، أمة لا تستحق غير الاستعباد والإذلال والركوب، وفي هذا الإطار، يأتي إصرارها على تدمير ليبيا، تحت مُبرِّر إسقاط الديكتاتور معمر القذافي، وتجنيد المرتزقة من مختلف أصقاع العالم، لتحطيم الدولة السورية، بدعوى إزاحة الطاغية بشار الأسد، والتدمير المباشر للدولة اليمنية، مرة بحجة قطْع الطريق على الرئيس المخلوع عبد الله صالح، ومرة من أجل وقْف زحف الحوثيين، الذين يُعتبَرون بوابة إيران- التي لم تعد مسلمة- في المنطقة، والدعوة الصريحة للقضاء على المقاومة الوطنية والإسلامية، التي ربحت المعركة، التي خسرتها جيوشهم الجرارة، والتحرّش بدولٍ عربية أخرى، بحجّة نشْر الديمقراطية، وكأن هذه القبائل التي جعلها المال وحده دُوَلاً، هي أكثر ديمقراطية من باقي الدول .
ظل النظام العربي، يُحاجِج بوجود هذا الهيكل الميِّت، على شرعية وجوده، حتى في أحلك الظروف، التي تخلَّى فيها عن دوره، في حماية لقمة العيش للشعوب، التي يقول إنه يحكم باسمها، وفرّط في تأمين سيادة ما يُسمَّى الوطن العربي، حينما ساعد في تمرير كل الخُطط التدميرية، التي استهدفت دُوَلَه الوطنية، التي كانت تحمل شعار مناهضة الاستدمار الغربي الصهيوني، بدْءًا بتدمير العراق، الذي ظل في الخطاب الرسمي العربي، قلعة العرب الشرقية، في الدِّفاع عن هذه الجغرافيا، وترْكِه مُستباحًا من طرف كلِّ أنواع الإرهاب والتخريب، وبإسقاط العراق والمساعدة في احتلاله، تكون هذه المُسمّاة خطأ جامعة، قد أصبحت أداة محلية قذرة في يد الغرب، يُحطِّم بها الدول الوطنية، ويغتصب أحلام شعوبها، في الأمن والتّطوّر والرفاه، وقبل ذلك سمحت، بل تركت الحرائق تمتد إلى أطراف الخارطة العربية، في الصومال وجيبوتي، إن لم نقل إنها ما فتئت تؤجّجها كلما خبا فيها اللهب، وراحت تُشعِل النار في أخضر هذه الرقعة بعدما أنهت إحراق يابسها .
انتهت صلاحية جامعة الدول العربية، ولم تعد إلا مُلحقَة بالخارجية المصرية، فالأمين العام لما يُسمَّى جامعة، هو دائما خرِّيج تلك الخارجية، وإطاراتها وعمالها مصريون إلا فيما ندر، وهي أشبه ما تكون بصندوق تقاعدٍ ثانٍ للمصريين، يُؤمِّنه المال الخليجي الموظَّف أساسًا، في صالح الإستراتيجية الغربية بالمنطقة، ومن ثمَّ فلا غرْوَ أن نرى هذه المؤسّسة المشلولة، تجاه القضايا العربية الرئيسية، تؤدِّي دورًا حاسما، في حماية تلك الإستراتيجية، بل والإسراع في إنجازها، ولا يُهِم إن رفعت نسبة عدائها للشعوب العربية، التي ظهرت أكثر وعيًا بحجم المخاطر، التي تُهدِّد كيان الأمة من الداخل، بواسطة أنظمة حُكْمٍ فقدت معظمها شرعية بقائها، وإن لم تتدارك الأمرَ، بعضُ الدول القليلة، التي لم يصبها التلوّث، بميكروب القابلية للانبطاح، وتعمل على تصويبه، أو تُجمِّد وجودها- على الأقل- في هيكلٍ ما زال يُعطِي شرعية للتدخّل الخارجي، في شئون الدول العربية، وتأجيج نيران الطائفية والمذهبية، داخل الدول المُمانِعة، فإن عهدًا جديدا أكثر سوءًا، هو بصدد إسدال ليله على الأمة، من طرف الغرب المُتصَهْيَن، وعن طريق هذه التي تُسمَّى جامعة الدول العربية للأسف .
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة