الْكِتابُ بيْنَ التِّجارَة والثَّقافَة ؟!؟
خليفة بن قارة
79

الْكِتابُ بيْنَ التِّجارَة والثَّقافَة ؟!؟

يعاني سكان العاصمة والقادمون إليها من المدن البعيدة والنائية، في الوصول إلى قصر المعارض بالصنوبر البحري، حيت حطّت الكتب الزائرة رحالها، فإذا ما استطاع مستعملو الطريق السريع، سواء أولئك القادمون من الشرق، أو الآتون من الغرب، التّخلّص من حالة الاختناق المزمنة، والذي حوّل الطّرق السريعة، إلى مُجرّد مسالك خانقة لا يمكن تصنيفها، فإنهم سيقضون في أقلّ من كيلومتر واحد على أطراف المعرض، ما يقارب الساعة من الزمن داخل سياراتهم، ينتقلون بعد ذلك إلى معاناة البحث عن موقف لركن مركباتهم، داخل الحظائر المحيطة بالمعرض، فإذا ما تجاوزوا هذه العقبة ووصلوا إلى مداخل الأجنحة، وقفوا أمام أبوابها مُتعَبين، ليكونوا صيدا سهلا للصوص "الظرفاء" الذين لا يشك أحد في أن يكون بينهم من يتربص بهم، وقد جاءوا ليتسوّقوا في جيوب الزوار، الذين لم ينفع في حمايتهم، الوجود المُكثَّف لأعوان الأمن .

 دُور النشر الوطنية والأجنبية، التي جاء بها حب التجارة والتّكسّب، ربما أكثر من حبها لنشر الثقافة، توزّعت على المبنييْن، اللذين بمجرّد ما تطأ قدماك أرضيتَه، حتى تصفعك رائحة كريهة، قد لا يشعر بها المقيم بالداخل، هي جزء من نتانة الأسعار الملتهبة، التي لا يقدر على تجاوزها، إلا مَن آتاه الله بسطة في الجيب، أو سعة في حسابه البنكي، فقد ارتفع سعر الكتاب نتيجة انخفاض الدينار، بما يزيد عن 35% كما أكد لي ذلك بعض أصحاب دور النشر، فكتابٌ أدبيٌّ من مائتيْن وثلاثين صفحة مثلا، لا يقل عن أربعمائة دينار في معرض هذا العام، باستثناء بعض المصاحف الصغيرة، ذات الطباعة المتواضعة جدا، والتي خفّضت أسعارَها دُور النشر، التي تتاجر في الكتاب الدِّيني، الذي رغم انخفاض الإقبال عليه مقارنة بالسنوات السابقة، إلا أنه مازال- مع كتب الشعوذة والطبخ- يستقطب أكثر زوّار هذه الطبعة .

زحمة كبير في جُلِّ الأروقة، تكاد تمنع عن المارين، رؤية الأمم النائمة على الرفوف، ولكن مع ذلك يمكن أن تلتقط عين الزائر- إن أراد- كاتبة هنا أو كاتبا هنا، يدعو بعينيْن مصوَّبتيْن، قادما من بين المارين، يُوقِّع له إهداء على كتاب، قد يكون عربون تواصلٍ بين القراءة والقارئ، وإذا ما أمعنت السير بسرعة التّوقّف، بدا لك وسط الحشود من بعيد، الأديب الجزائري الكبير، الذي تميّز طوال حياته المهنية بإثارة الجدل، رشيد بوجدرة، وهو يُشهِر سيف "زناة التاريخ" في وجْه الذين تسلّلوا إلى هذا التاريخ، حينما أخذت أهله سِنَة من نوم، وهو يكاد يلتقط صورًا لقافلة العابرين، بعينيْن حادتين، ربما لملْء المساحة الباقية، من نادي زناة التاريخ، وإذا ما قرّرت ترْك صاحب الحلزون وسحنته العابسة، شدّت سمعَك أصواتٌ تأتي من اتِّجاهاتٍ متباعدة قليلا، وعند الاقتراب منها، يتبّن لك أن منشطيها أساتذة أو مَن يُشبِههم، وهم يصرخون في ميكروفون مبحوح، أمام بعض الحضور في زواياهم المنفرجة، التي علق بها أيضا فضوليون، هَمُّهم الغُدوُّ والرواح بلا هدف، ولا تكاد الأمواج البشرية تتركك، حتى تكون قد قذفت بك حيث تجلس الشاعرة الرقيقة، شاعرة الأطفال الصغار والأطفال الكبار، سليمة ملّيزي، وهي تتأمّل على إحدى أرائك"حدائق غفرانه" حواليها، في الوجوه الضاحكة بعبوس أو العابسة بابتسام، ولما تُصغي لها تسمعها تهمس، مثلما همست قبلها غادة السمان:" لا أريد أن تحبني إلى الأبد، أحبني الآن" وإذا ما تركت صاحبة حدائق الغفران إلى عالمها، واستدرت للتوغّل وسط الحشود، استوقفتك خلوة ما كان لك أن تغض عنها البصر، حيث يترأس جلستَها الشقيان في الخير، السائران في اتِّزان بأرجلٍ حافة، على أشواك الواقع الإعلامي الدامي، محمد يعقوبي وأسامة وحيد ...

يفاخر القائمون على هذه التظاهرة، في نسختها الثالثة والعشرين، ومعهم كل مَن يواليهم، من أجل مصلحة ذاتية آنية، أو تزلفا وتملقا، أن ما تُنظمه الجزائر- بواسطتهم طبعا- هو أحسن بكثير، مما يقام في كل الدول العربية، ويدللون على ذلك بحجم المبيعات، التي يشهدها سوق الكتاب السنوي، متناسين أن روح الاستهلاك المتأجِّجة في نفسية الجزائري، هي ما يُحرِّك شهوته في الشراء، ولا أدلَّ على ذلك، من أن الجزائري، رغم الارتفاع الفاحش في أسعار الخضر والفواكه، وكل المواد التي يحتاج إليها البيت الجزائري، لم يُقاطع هذا" المواطن" المسكين تلك المواد اللاهبة، مما شجّع كلّ الجشعين على تحريك السعر إلى الأعلى، مع هبوب أيِّ نسمة من نسمات النّدرة المُفتعَلة، إذن فالشراء في كل شيء والإفراط فيه، ميزة جزائرية صِرفة، وليست فتْحًا من هؤلاء وأولئك، يضاف إلى ذلك تقلص عدد المكتبات وتآكلها عبر جميع المدن، وتحوِّل بعضها إلى محلات للأكل السريع، مما جعل مريدي الكتاب، وحتى المتاجرين فيه من غير أهل الاختصاص، يتوافدون على المعرض ويشترون، أما إذا أردنا أن نفاخر بصالوننا الدولي للكتاب، فيجب ألاّ نجعله تجارة فقط، بل لا بد من إعادته إلى سكته الأولى، كتظاهرة ثقافية حقيقية حضارية، يستفيد منها المواطن المتعلم، ويرى فيها المثقّف نفسه، وتكسب الدولة من ورائها والمجتمع، مالا وسمعة ومكانة بين المجتمعات المتحضِّرة .

قد يكون البدء في إعداد خارطة منهجية، تعيد للتظاهرة توهّجها الثقافي، ينطلق من اختيار الرجال الذين يؤمنون بالبعد الثقافي، كمُحرِّك أساسي للإنسان، في معركة نهضته، ويكونون إضافة نوعية، وليس عقبة على الطريق، ليس أقلّها من إعادة النظر، في كيفية الوصول، إلى إقامة المعرض، في حركةٍ انسيابية للمرور، تقضي على النقاط السوداء، التي أصبحت تحيط بالتظاهرة كل عام، ويمكن لهؤلاء الرجال المختارين، أن يُقنِعوا الدولة، بضرورة دعم الكتاب، إلى مستوى يجعله في متناول كل الشرائح، لأن الكتاب هو الذي يصقل روح الفرد، ويحفظ له إنسانيته، التي بها وحدها، يمكن أن يُبعَث مجتمعٍ سويّ حداثي، وأشكال الدّعم كثيرة، يعرفها المختصون أكثر من غيرهم حق المعرفة، وربما يندرج في إطارها، فكُّ الحصار الثقافي على أهلنا البعيدين عن العاصمة، خاصة من هم يحفظون لنا جنوبنا الأكبر، وقد غرسوا أنفسهم فيه أوتادا، كيْ لا يقتلعه في غفلة منا غيرُنا، سواء بضمان نقلٍ لهم دائم وآمن وبأسعار منخفضة، طيلة أيام المعرض، أو بتجميع كل الكتب الوافدة، خاصة الجديد منها، وإرسالها إلى مختلف الولايات، بعد انتهاء أيام الصالون، والبدء في إيجاد آلية للتوزيع، تُخرِج الكتب من ظلمة المخازن، وتنقلها إلى قارئ ينتظرها بشغف، وبعبارة أخرى، يجب تحرير هذه التظاهرة الثقافية، من سطوة الإداريين، أو حتى الذين تطبّعوا حتى سكروا بثقافة الإدارة، لأن التجربة علمتنا، أن الإداريين ما دخلوا مجالا فكريّا إلا وأفسدوه، والممارسة السياسية تشهد على ما أقول، حيث حزب الإدارة، يفعل فعله في كل الانتخابات، فهو المُرشَّح الدائم فيها، والفائز الذي يخلف نفسه باستمرار ...

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة