المُثقَّف بَيْن المُجامَلة والنِّفاق والمَسئوليّة ؟!؟
خليفة بن قارة
93

المُثقَّف بَيْن المُجامَلة والنِّفاق والمَسئوليّة ؟!؟

دعاني أحد الأصدقاء إلى حفل تكريم قريبه، الذي قال إنه مثقف كبير، وهو يظن أنني لا أعرفه، وأعرف أنه ليس إلا واحدا من الكتَبَة، الذين يميلون حيث الريح مالت، اعتذرت بلطف حتى لا أجرح مشاعر الصديق، ليس فقط لأنني أعرف مسار الرجل، ولكن لأن نفسي أصبحت تمتعض من هذه المناسبات، التي اختلط فيها الحق بالباطل، فلم تعد إلا حلبة للنفاق الاجتماعي، الذي يمارسه الناس على بعضهم البعض، ويُعرّون فيها أنفسهم بأنفسهم، في مشاهد أقل ما يقال فيها، إنها مقزّزة، قد تكون نظرتي للأشياء فيها شيء من الأحكام المطلقة، وما زال صديقي "يراودني" حتى تمكّن من ترويضي، لنجد نفسيْنا أمام حشد كبير من المدعوين، الذين أعرف الكثير منهم، وما إن انطلق الحفل، بعد تأخر دام أكثر من ساعة، ككل مواعيد الجزائر المتخلِّفة، مثلما هو حال العرب جميعا، حتى بدأت باقات الكلام المُنمَّق تنهال على صاحبنا، تُعدِّد ما ليس فيه، فقلت هي المناسبة التي تكون قد أظهرت، ما أخفته عني أربعون سنة من معرفته، وقد يكون هو نفسه، تفاجأ بما أمطروه به من خصال، وما ألصقوا به من تُهَمٍ، لا شك أنه أحبها حدَّ السّكر، ومضى المُتحدِّثون يسايرون المناسبة، بمزيدٍ من العبارات المُعطَّرة، فقلت ربما يكون ذلك تأدُّبًا منهم وليس اقتناعا، فقد يكونون أدركوا أن الرجل، يفتقد إلى الثقة في النفس، فراحوا ينفخون فيه، كي يعود له التوازن، ولا يهم إن أخذه الغرور بعد ذلك بعيدا ؟

صحيح أنه من آداب المجاملة، أن يُبرِز المُتكلِّم الخصال الحميدة في الممدوح، ويتحاشى ما فيه من مساوئ، وإن كانت كثيرة، ولكن الصحيح أيضان أن المبالغة في المجاملة، قد تُسقِط صاحبنا في بئر النفاق، وتُحرِّض المُحتفَى به على الكذب عن نفسه، وتحجب عنه الحكمة المهمة القائلة: إن الذي قال لك اليوم ما ليس فيك من الخير وأطنب، سيقول عنك غدا ما ليس فيك من الشر وأكثر، ولكن يبدو أن واقعنا الاجتماعي، يحتاج إلى النفاق أكثر من حاجته إلى المجاملة، ناهيك عن قول الحقيقة، ولم أجد تفسيرا لكل المدائح، التي أبرزت صفاتٍ لا يُصدِّق الرجل أنها فيه، ولا يحمل منها إلا النزر القليل، وما زال المُتحدِّثون الحاضرون من كل أصناف البشر، القادمون من فئات اجتماعية وثقافية مختلفة، وبيئات سياسية وأيديولوجية متباينة، يتداولون على المنصة، حتى خشيت أن يُطلَب مني الحديث أو الشهادة، في رجلٍ أعرفه على غير ما قدّمه هؤلاء، فأقع في إحراج وأكُون من الشاذين، ومن فرط خوفي من حرَجِ اللحظة، رحت أتناقص في جلستي، حتى كاد المقعد يبتلعني فلا يراني الآخرون، وحينما كنت أستمع شاردًا، كان صاحبي يهمس لي في أذني: هكذا قالوا لي يوم تكريمي، ولما خرجنا قلت له: لهذه الأسباب أحسّ أنني لا يجب أن أُلبِّي دعوات التكريم، حيث سيكذبون عليّ مثلما كذبوا على قريبك، وأنا لا أريد أن أتساوى مع أحدٍ حتى في الكذب .

إنني وإن كنت قد أتجاوز عن بعض النفاق السياسي، الذي انتشر في مجتمعنا بشكلٍ مُخْز، فإنني أكاد أصاب بالجلطة، أمام نفاق المثقفين، الذي هو في اعتقادي، أشدّ ضررًا على تماسك المجتمع، واستمرارية الدولة، وتطوّر الحياة بصفة عامة، ذلك أن المثقَّف الذي أظهر بعض الشجاعة، وإن كان تمّ تجريده من أسلحة دفاعه عن قيّم مجتمعه، لا يجب أن يقبل بأن يُصادَر له قلمه، الذي يُعَدّ آخر سلاح يحمله في ميدان حربه الحضارية، ولكن يبدو أن كثيرا ممن ينتسبون إلى المثقفين، لديهم قابلية التدجين والاحتواء، وأنهم على استعداد لتحويل أقلامهم إلى أسلحة بلا ذخيرة، أو ذات طلقاتٍ مضادة، تصيبهم بدل أن تصيب الهدف، الذي من أجله استحقوا أن يكون لهم شرف الانتساب إلى النخبة، ورضوا أن تُجفَّف لهم أقلامهم في أيديهم، فلم يعد يسيل منها مدادها القاتل لكل أنواع الرداءات، كما تسيل أقلام النبلاء، وإن سالت فلن تجد ورقا تكتب عليه، وإن تحصّلت على الورق، فلن تجد الصحيفة، ولو كانت صفراء لا تسر القارئين، لأن هذا النوع من المثقفين المنحازين للسلبية، يعيد- برداءته- تجميع أسباب القوة، في يد السلطة، سواء كانت سياسية أو مالية أو حتى دينية، وهي التي لم تعترف يوما إلا بالمثقف المقبور، تماشيا مع قول الجنرال الفرنسي العنصري، وزعيم اليمين المتطرِّف جان ماري لوبان: أفضل الجزائريين، هم مَن تحت التراب، إن مثل هؤلاء الجبناء، كمثل أحجار جهنم، وكأنهم هم الذين قصدهم الشاعر الإيطالي دانتي أليغييري في جحيمه: "أسوأ مكانٍ في الجحيم، محجوز لأولئك الذين يبقون على الحِياد، في أوقات المعارك الأخلاقية الكبرى"، وإذا كنت لا أدّعي أنني من صنف المثقفين، سواء كانوا شجعانا أم جبناء، لاعتقادي أنني ما زلت في طور التعلّم، فإني أقول ما أتعس المُثقَّفن حينما يتحوّل من مُجامِلٍ ومراءٍ لأيٍّ كان، سلطة، أو مؤسَّسة، أو فردا، إلى منافقٍ كذّاب، وكذاب بصدقٍ كبير ...

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة