المدرسة... مؤامرة أم مجرّد ضجيج؟
خليفة بن قارة
1513

حديث في الموضوع

المدرسة... مؤامرة أم مجرّد ضجيج؟

هل الجزائر عادت لتبحث عن نفسها من جديد كما قال أحدهم، من خلال الفوضى التي تعيشها المدرسة  وأن ما يجري لمدرستها، هو محاولة متجدِّدة لصياغة برامج موجّهة، تهدف إلى تشكيل أفكار مُغرِية في ظاهرها مع التّحكّم في إدارتها، بحيث يتم ربطها بإحكام، بتلك الأفكار التي يتحرّك في إطارها الفلك الفرنسي ؟ أم أن ما يجري هو إعلان صريح على انتصار ال16.534 الذي قالوا لا لاسترجاع الاستقلال يوم الاستفتاء عليه، عام اثنين وستين وتسعمائة وألف (1962) ، ومؤشِّر على انهزامٍ مُخْزٍ لما يقارب الستة ملايين من الذين قالوا له نعم، ولو إلى حين، بالرغم من أن الحديث الرسمي يُكذِّب ويقول إن كل الذي يحدث ليس إلا ضجيجا، لن يؤثِّر في  جزائر قرّرت أن تتحرّك، ولكن إلى أين؟

أعتقد أن المدرسة الجزائرية ظلت منذ ذلك الوقت، ساحة رئيسية للصراع المفتوح، بين جزائر انتصرت على النظام الكولونيالي، وجزائريين يريدون العودة إلى ما قبل ذلك التاريخ، بشتى الطرق وبكل الوسائل المتاحة، وقد يكون بيير كون pierre Conn   عالم الاجتماع الفرنسي المتخصِّص في علم الاجتماع التربوي، أول مَن شرّع لهذا الصراع، فقد أسّس له حينما كلّفته منظمة اليونسكو، و بالاشتراك مع الحكومة الفرنسية، بإعداد تقرير حول وضعية ومستقبل المدرسة الجزائرية، خلال السنة الدراسية 1963/1964 ، وقد لعب مزدوجو اللغة دورا كبيرا، ليس على مستوى تمدّد اللغة الفرنسية فقط، إنما على صعيد إبقاء جذوة الصراع مشتعلة، كلما آن أوان انطفائها، خاصة أولئك الذين نشرت لهم فرنسا بعض الكتابات، ونصّبتهم كُتّابًا يمثلون الأدب الجزائري، أو منحت لهم جوائز، أو ضمنت لهم إقامة ولو منقوصة أو مشروطة في باريس، حتى أصبح هؤلاء أقرب إلى أولئك الذين كانوا يشتغلون لدى إدارة الاحتلال، فيما كان يُسمَّى المكاتب العربية bureaux arabes   ، وهم أخطر ممن استبدلوا جنسيتهم الجزائرية بالجنسية الفرنسية، أو جعلوها جنسية ثانية، يمكن أن تتحوّل إلى قيمة مضافة، لصالح موطنهم الأصلي إذا عرف ساسة الجزائر، كيف يوظفون ذلك.

لا يعاب على فرنسا ما فعلت أو تفعل، فمن من حقها أن تعمل بكل الطرق والوسائل، من أجل الحفاظ على مصالحها الحيوية، خاصة في مستعمراتها القديمة، وقد خطّطت لذلك- تحت شعار المساعدات التقنية- بخلْق واقعٍ دراسي، يُبقِي الجزائر جزءا من إستراتيجية انتشارها، ولكن العيب الأكبر، بل الخطيئة الكبرى، يتمثّل فيمَن يديرون شأن هذه الأمة، وهم يتحرّشون بها، فهذا وزير خارجيتها السابق، ورئيس مجلسها الدستوري الحالي، كأنه يتأسف لنظرائه الأوروبيين عن حال الجزائر، التي أعاد الشعب تحريرها من الاحتلال الفرنسي بثمنٍ باهظٍ جدا، فقد قال لهم في وقت سابق، أثناء اجتماع اتِّحادهم: "لولا انزلاق التاريخ، لكنا اليوم عضوا في الاتحاد" ، وهذه الإذاعة الجزائرية العمومية جعلت من قناتها الثالثة، حكرا على اللغة الفرنسية، وراحت تُعِد برامج للنساء الماكثات في البيوت، وأخرى للأطفال، الذين يُفترَض أنهم لم يبلغوا سِنَّ استيعاب اللغات الأجنبية، وقد حذت حذوَها بعضُ الإذاعات الوطنية والمحلية التي بدت كمن يحض أطفال المدارس المشاركين في حصصها، على أن يُغنّوا ويُمثّلوا ويُنكِّتوا باللغة الفرنسية، وكأنها لغة وطنية.

إن ما يجري للمدرسة الجزائرية منذ عام 2002 إلى يومنا هذا، هو في أبسط توصيف له، تلويث خطير للمستقبل، لأن أطفالنا هم المستقبل، والعمل جارٍ لتحقيق هذه الغاية للأسف، بمشاركة أطراف عديدة تتحرّك بيننا، فبالإضافة إلى ما ذكرت، تكاد حالة التلوّث أن تخنق أجيالا متلاحقة، فما تصنعه بعض المدارس الخاصة، بعيدا عن أعين المراقبة، وهي التي تحوّلت إلى محاضن لتفريخ البرنامج التربوي الفرنسي، من شأنه أن يتجاوز تعزيز حضور اللغة الفرنسية، إلى الارتماء في حِجْر الثقافة الفرنسية بكل سلبياتها، وإن كنت شخصيا لا أتحسّس الخطر في تعلّم لغة المحتل، إلا أنني أرى أن الخطر الذي أراه داهما، هو أن تُصبِح هذه اللغة، بديلا عن لساننا الذي نما فينا وترعرع وأثمر، طيلة أكثر من خمسة عشر قرنًا، دون أن يُلغي هويتنا التاريخية، أوفي أقل الأضرار المحتملة، أن تجد مَن ينادي بجعلها لغة وطنية كالعربية والأمازيغية، بدل أن تظل لغة في سوق اللغات لمن يرغب في امتلاكها، ولعل هذا ما تعمل من أجله وزارة التربية، وإلا ماذا نفسِّر قرارها بجعل اللغة الفرنسية مادة إجبارية، في جميع امتحانات التربية، التي تُنظَّم لصالح الأساتذة والنُّظار والمديرين، وحتى في مسابقات الموظفين والإداريين، بعدما كان المتنافسون يختارون بينها وبين اللغة الانجليزية، والأكثر من ذلك أنها مادة إقصائية، أيْ مَن لم يتحصّل فيها على المُعدَّل يُقصى تلقائيا، ولو نال كامل العلامة في جميع المواد .

تجري المساعي حثيثة على أكثر من مستوى، لإخضاع الجزائر، إلى نموذج مجتمعات ما بعد الاحتلال، بهدف إرجاعها إلى الحالة الفرنسية التي كانت عليها طوال مائة واثنيْن وثلاثين عاما، وقد جعلها قابلة للتّصدّع الثقافي الذي تُمثِّل المدرسة قاعدته ونواته، ارتباطُها بماضيها الاستعماري، اقتصاديا وتجاريا ولغويا، والذي فرضه أولئك الذين تسلّلوا إلى مفاصل الدولة، في غفلةٍ من رجالها، وراحوا كالدود ينهشون قيم الأمة، ويزرعون في الشعب مرضهم الذي كبّل الأجيال بمختلف الإعاقات، ومن سلم من تلك الأجيال، دخل في مشاكل تأخذه من سقوط إلى سقوط أكبر، حتى بدت الحالة الجزائرية وكأنها تعدّت ما قاله ابن خلدون من أن : " المغلوب مولَع بتقليد الغالب" ، وتخطّت وصف مالك بن نبي "القابلية للاستعمار" ، إلى ما أصبح حالة شاذة عفنة، يستلذ فيها المركوب بوضع راكبه... 

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة