الكوابيس تتجلَّى في المستشفى أكثر !؟-1-
خليفة بن قارة
54

الكوابيس تتجلَّى في المستشفى أكثر !؟-1-

»قال لي أحد عمال المستشفى الصادقين، وأنا في حالة بين التذمّر وما يُشبِه الهيجان: مَن يرد الله به خير، يجنبه الحاجة إلى مستشفياتنا«

كنت ألوم الذين يُهرِّبون أجسادهم من الوطن، كلما هبّت عليهم نسمة مرض قبل أن تتحوّل إلى عاصفة، ولطالما أشْرعْت قلمي، لأصوِّب منه السهام الحادة إلى هؤلاء، الذين كنت أرى أنهم فضّلوا عن المنظومة الصحية الوطنية اليافعة، منظوماتٍ أخرى من غير سبب، فزادوا في تشويهها، وفي إنهاك الخزينة العمومية المُنهَكة، بفعل تسرّب الفساد إلى كل القطاعات بنسبٍ متفاوتة، ولكنني الآن- وبعد أكثر من أسبوع، جبت خلالها شعاب منظومتنا الجدبة الطاردة- حيث تأكد لي بالمعايشة، أنه ليس من حقنا أن نمرض، وإذا كان لا بد من ذلك، فيجب أن نختار يوم المرض، وإلا فلن نلوم إلا أنفسنا، لأننا سندخل عالم الكوابيس، من أوسع أبواب أيٍّ مستشفى، تسوقنا إليها أقدارنا، فعرفت أنني أنا المخطئ وهم الصائبون، هم لم يقوموا إلا بمحاولة إحياء النفس، التي حرّم الله قتْلها مثلما يجري في ساحة منظومتنا، التي يقال لها ظلما بأنها صحية، ولو أنصفنا لقلنا المنظومة المريضة أم ألمُقعَدة، فهي ليست إلا نسيجا من بيتٍ للعنكبوت، اشترك في بنائه القطاع العام، الذي يعيش حالة احتضار مُزمنة، والقطاع الخاص الذي يعيش حالة جشع قاتلة، حيث اختفت فيه أو تكاد معالم الإنسانية، وجعلت عماله مجرّد آلاتٍ حاسبة، لما يأخذونه من جيوب الغلابَى، ويمتصونه من دمائهم، وما كان لهم أن يفعلوا ذلك، لولا سياسة السّفه المُتحكِّمة، التي أظن أنها لن تُبقِي ولن تذر لو استمر الحال على ما هو عليه. 

المواطن أو حتى المقيم، إن كان من غير القادرين على الفرار بمرضه إلى الخارج للقضاء عليه، ستزداد آلامه، وتتضاعف عِلله في فصل العُطَل، أو في نهاية الأسبوع، إذ لا يجب عليك أن تمرض فيها أيها المُلاحَق بكل أسباب المرض، وإلا تضاعفت عليك العلل، وحاصرتك المتاعب النائمة، التي اجتهد سلوك المؤسسات الصحة، في إيقاظها وإحيائها، سيتضاعف مرضك، وسيمرض معك أهلك، ولن يكون سهلا أن تجد الفرج، عند أبواب مَن تظن أنهم وُجِدوا لتفريج الكُرَب، فبمُجرّد أن يداهمك فيروس، وتتجه إلى طبيب القطاع العام، تجد أن خلقا كثيرا يجلسون في وضعياتٍ مختلفة، حتى يتراءى لك أن الأمة كلها مريضة، وما دامت دماؤك لا تسيل متدفِّقة، فأنت خارج التّكفل الاستعجالي، ويمكنك أن تعود في يومٍ أو شهر آخر، إن كان في العمر بقية، فتهرع للبحث عن طبيب عام أو متخصِّص، وهناك تُصدَم بوضعٍ يزيدك ألمًا على ألمك، أنت إمّا أمام أخْذِ موعدٍ مسبقا، قد يكون لبضعة أيام، يكون المرض قد تمكّن خلاله منك، وإما أن تقابلك مساعدة الطبيب بابتسامة عابسة، الطبيب غائب، ولا أدري متى يعود، فهو في مهمة إصلاح جهاز الفحص المُعطَّل، وإما أن تقف أمام باب عيادته الموصَد، تنتظر خبرا عن الغائب المطلوب، وإن كنت محظوظا سيُقيِّض الله لك، شخصا عابرا من أهل الحي، يُنبئك أن الطبيب لا يشتغل يوميْ الاثنين والخميس، يكون فيهما خارج خدمة الناس، التي حلف في قسمه الطبي أنه في خدمتهم طوال حياته ؟

يظل أهل المريض يلهثون جريا بمريضهم، ويمرضون قبل أن يصلوا به إلى مستشفى آخر، يبدو لزائره لأول مرة، أو حتى للذي لم يره منذ عشريتين على الأقل، لقد تغيّر كثيرا، كأنه سوق كبير للمرض، بكل أنواعه الفتّاكة، حتى تحوّل العاملون فيه، من ملائكة رحمة، إلى ما يُشبِه الزبانية، فقد صاروا قُساة غِلاظا أجلافا، لم يعُد يؤثِّر فيهم منظر بقايا امرأة لا تستطيع النهوض، بعد أن أقعدها المرض والإعياء، أو رؤية مُتعَبٍ مُمَدَّد يرسِل أنينه، كآخر إشارة منه على أنه ما زال حيا، ويسرح بك ذهنك بعيدا عن هذا الجو الخانق، فتأتيك فجأة صورة تلك الممرضة الجميلة، التي خلّدها الفنان الكبير رابح درياسة، والتي تُغري سليم الجسم والعقل، بالذهاب متمارضا إلى المشفى، فقط كي يكون بين أيدي ذلك الملاك، الذي يبدو أنه لم يعد يطيب له المقام، في عياداتنا ومشافينا فرحل، ومَن بقي لا يكاد يُرى، أو يُسمَع له صوت، مع مَن حوّلوا دورهم الملائكي إلى عمل شيطان، بعد معاناة من الانتظار الفاتك بالمريض ومرافقه، يرتفع الصُراخ في وجه غير المبالين بالحالة الاستعجالية، من أصحاب المآزر التي كانت بيضاء، أخيرا يتفطّن هؤلاء، أن أمامهم حالة تستوجب التّدخّل، يجتمع خلق كثير منهم حول المريض، يتحادثون ثم يتهامسون، بجُملٍ يُراد لها ألا تُفهَم، يختلفون حول تشخيص المرض، ولكنه محظوظ، لأنه وجد في النهاية، قبولا من طاقم الاستقبال، فيؤخذ إلى إحدى القاعات، المفتوحة على جميع حالات المرض، والتي تحمل ملامح المُحتَشد، لتبدأ رحلة أخرى ستكون إن شاء الله موضوع حديثنا القادم؟

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة