الغرب يصنع اللاجئين ويجعلهم قنبلة !؟
خليفة بن قارة
265

الغرب يصنع اللاجئين ويجعلهم قنبلة !؟

هل الإنسان مُخيَّر بطبيعته في النزوح عن وطنه الذي يحفظ له شجرة نسله، أم أنه مُجبَرٌ على ترْكه في أحايين كثيرة بفعل عوامل قاهرة، تجتثه من أرضه اجتثاثا وتقذف به إلى المجهول قذفا؟

وهل أن حركة النزوح أصبحت ظاهرة تُهدِّد المجتمع الإنساني، بعدما أصبح يسجِّل العالم في كل ثانية، نزوح إنسان عن مكان ولادته وإقامته، مقهورا ذليلا إلى مواطن جديدة، يكون وصلها بعد أن هرب من الموت، الذي اختطف منه إخوانا له وأصدقاء، حتى وصلت قائمة الهاربين بأرواحهم، من بلادٍ لم تعد صالحة للحياة وقد استوطنها الدمار والخراب، أكثر من سبعين مليون شخص، حسب تقارير للأمم المتحدة التي دقّت ناقوس الخطر، فجعلت من تاريخ العشرين جوان من كل عام، يوما عالميا للاجئين ؟


إذا نظرنا إلى الرقعة الأكثر إنتاجا للنازحين في العالم، سنجد أنها خارطة العالم الإسلامي، الذي تأذَّى كثيرا من موجات الاحتلال الغربي القديم، حيث عاث فسادا في الأرض وتخريبا للهوية، وتتصدّر هذه الخارطة، المجتمعاتُ العربية التي تعرّضت إلى أقسى مراحل الاستدمار، وكانت شعوبها استبشرت خيرا بانتصار ثورات تحررها، واستقدامها فجْرَ الحرية بدماء أبنائها وتضحياتهم، وما إن استرجعت الأرض حتى راحت تخوض معركة استعادة ثرواتها المنهوبة، غير أن هذه المعركة، كانت أشرس من معارك حرب التحرير، إذ استعمل النظام الكولونيالي المُرحَّل، وسائل جديدة لم تعد الشعوب فيها تُفرِّق بين العدو والصديق، فحُوصِرت الهُويات الوطنية، وتمَّ قصفها بأدواتٍ محلية، من خلال شعاراتٍ ظاهرُها إنساني وباطنها وحشيٌّ مُدمِّر، أدّت إلى الخروج من معركة استكمال التحرير، والتحوُّل إلى مناوشات وتحرّشات بين الأشقاء، حيث ادّعى كل واحد أنه الأوحد العارف بمصلحة الوطن، فصار يعتقد أنه هو الوطن، سرعان ما حوّلها أبناء البيت الواحد، إلى صراعٍ مرير زاد من مرارة الوطن وتخلفه، وكوّن أفواجا أخرى من النازحين الجُدُد ؟

لم ينتظر الاستعمار القديم حسم المعركة بين الإخوة المتقاتلين، فهم جميعا لديه ليسوا سوى أبناء كلبة واحدة ضالة، ونزل فاعلا في الساحة، من أجل ترجيح كفة طابوره الخامس، فكانت الغزوات الأخيرة لكثير من الدول، وتدميرها واحتلالها وإعادة مجتمعاتها إلى عصر ما قبل التاريخ، كما فعل في أفغانستان والعراق وليبيا وسوريا والصومال واليمن، والقائمة مفتوحة على دولٍ أخرى، فما كان من شعوب هذه الأرض الملتهبة، إلا أن شدّت الرحال أفرادا وجماعات، إلى أماكن تظن أنها آمنة، فانضمت إلى قوافل الفارين من قبضة دولٍ أحْكمَ الاستعمار قبضته عليها، بإبقائها تتعثّر في وحل التخلف، إما بفرض قياداتٍ فاسدة، تدين له وحده بالولاء المطلق، وتحرص له مصالحه وترعاها، أو بجعلها أرضا طاردة لكل مظاهر الحياة الإنسانية الكريمة، وبدا هذا الغرب الرسمي، كأنه حامي حمى هذه الشعوب المقهورة المُستضعَفة، باستقبال هؤلاء اللاجئين، الذين يُعتبَر هو المتسبِّب الرئيسي في مأساتهم، مُستدِلاًّ بهم، على صحة دعواه القديمة، من أن الشعوب التي كافحت الاستعمار، لن تعرف بعده كيف تحكم نفسها بنفسها ؟

لقد كان يمارس هواية النهب والسرقة المفضوحة، حتى وهو يحمل شعاره المُتحضِّر، باستقبال الوافدين خارج يافطة اللجوء، فرسوم التأشيرة إلى هذا البلد الغربي أو ذاك، بقدر ما هي عملية إذلال مقصودة لطالبها من خلال ظروف الاستقبال، بقدر ما هي مورد ماليّ كبير، يقضي به حاجته بالعملة المحلية دون أن يصرف ولو سنتًا من العملة الصعبة، رسم التأشيرة إلى فرنسا مثلا، وصل إلى خمسة عشر ألف دينار لكل طلبٍ قُبِل أو رُفِض، وإذا افترضنا أن القنصليات الفرنسية، تستقبل فقط مائة ألف طلب في الشهر الواحد، فإن جباية دولة الاحتلال القديمة، يصل إلى الملايير في العام الواحد، وإذا كان هذا نصيب فرنسا العجوز وحدها، فاحسب ما يدفعه الجزائريون لباقي الدول الغربية، من أجل زيارتها التي تعود عليها بالفائدة، أكثر مما يستفيد منها الزائر ؟

ارتفع منسوب الغبن الذي زرعته الدول الغربية في خارطتنا، وارتفع معه عدد النازحين إليها، بعدما انطلت عليهم حيلة أنها الحضن الدافئ، فقد كشّرت عن أنيابها في الآونة الأخيرة، سواء من خلال تسهيل وصول يمينها المتطرِّف، وريث الفكر الكولونيالي إلى الحكم، أو من خلال الاحتكام الصوري، إلى ديمقراطية قالوا فجأة إنها أفرزت رأيا شعبيا رافضا لاستقبال هؤلاء المُشرَّدين، الذي جنى الغرب عليهم ولم يجنوه على أحد، وقد أقيمت لمن هرب من الموت المختفي في البحر، محتشدات تُشبِه تلك التي أقاموها في اقتتالهم خلال الحرب العالمية الثانية، وربما لم يعجبهم حتى وجود تلك المعسكرات على أراضيهم، فاقترحوا تشييد مراكز إيواء، في دول جنوب المتوسط، حتى تتم دراسة ملفات هؤلاء المُجمَّعين في المعسكرات، فيُبَتُّ في طالبي اللجوء، ممن يفيدون المجتمعات الغربية، ضمن إستراتيجية  الهجرة المختارة، وبذلك يساهمون في زيادة تفقير دول الجنوب، بسلب كفاءاتها العلمية، ومواردها البشرية، باعتبارها إحدى أدوات نضالها في معركة التحرير الجديدة، ولأن معظم دول العبور ترفض إنشاء تلك المحتشدات، فإن قضية النزوح، ستكون تلك القنبلة التي صنعها الغرب، والتي ستنفجر عاجلا أم آجلا عليه أولا، وعلى دول المنشأ ثانيا، ولكن قد تعيد صدمة شظاياها، الوعيَ للشعوب الحالمة بحياة غربية رغدة، بأن الحياة الحالمة ليست علامة غربية مُسجَّلة، إذ يمكن أن تكون على أنقاض ما فرّخه الاحتلال منذ قرون، وراح يُغذِّيه على امتداد العقود القليلة الماضية ؟

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة