الساحل الافريقي.. بين العسكري والتنموي في الحل الامني
مختار بوروينة
918

الساحل الافريقي.. بين العسكري والتنموي في الحل الامني

ازداد الاهتمام الدولي بالقارة الافريقية، بالتحديد في  منطقة الساحل الافريقي، من باب محاربة الإرهاب  والحد من امتداده حفاظا على الامن والسلم الدوليين، وفق مقاربتين متباينين الاسلوب بين أمنية عسكرية أم أمنية تنموية، مما ينبئ بدخول المنطقة في دوامة حسابات وتحالفات استراتيجية تغذيها اطراف خارجية، تسعى الى توسيع نفوذها والحفاظ على مصالحها بالقارة السمراء.


 الامني العسكري

ويتجه محللون سياسيون وخبراء عسكريون مهتمون بالشأن الافريقي على ان دحر فلول ما يسمى بالدولة الاسلامية في العراق وسوريا (داعش)، والتحذيرات المتصاعدة حول انتقال نحو  ستة آلاف مقاتل من التنظيم الارهابي من هذين البلدين إلى منطقة الساحل الصحراوي، وتصاعد نشاط  الجماعات الارهابية في المنطقة، ادى الى تزايد الاهتمام الدولي بالقارة السمراء، صاحبه تصاعد وتيرة التواجد العسكري بإقامة قواعد عسكرية وإيفاد خبراء ومستشارين عسكريين  وزيادة برامج التدريب والمناورات المشتركة وتوقيع الاتفاقيات فضلًا عن تشكيل وتمويل القوات والعمليات العسكرية والاعتماد المتزايد على نشر التقنيات  الأمنية المتقدمة خاصة الطائرات المسيرة عن بعد في بعض البلدان القريبة من بؤر التوترات، ومعه اتضحت المقاربات الامنية للدول الغربية،خاصة فرنسا وأمريكا، لمواجهة الارهاب في المنطقة، وراحت تركز، أيضا، في اعتمادها سياسات تدخل بالوكالة عبر إنشاء قوات إقليمية أو محلية. 

الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، وضع من بين أولوياته مراجعة فشل عملية "سيرفال" التي بادر بها الرئيس السابق، فرنسوا هولاند، مباشرة بعد الاطاحة بنظام الرئيس، أمادو توماني، سنة 2012، وحاول من خلالها احتواء المد العسكري للحركات الانفصالية في شمال مالي، ولكنها فشلت في مهمتها، مما جعله يلجأ في مرحلة ثانية إلى تشكيل قوة "بارخان " التي ضاعف تعدادها إلى اربعة ألاف عسكري ووسع من نطاق انتشارها لتشمل دولة النيجر المجاورة بعد تنامي التهديدات الارهابية، لكن نتائجها كانت مخيبة بعد فشلها هي الاخرى في المهمة المحددة لها، وهو ماجعل خليفته، ماكرون، يقتنع أن المواصلة في نفس الطريق سينتهي إلى انتكاسة عسكرية ثالثة في وقت لم تعد فيه باريس قادرة على مواصلة ضمان تمويل قوتها وتزويدها بالعتاد الحربي الذي يؤهلها لمواجهة تنظيمات إرهابية امتلكت ترسانة حربية متطورة من مستودعات ليبيا.

 قوة بالوكالة

 كبديل لذلك بل ومدعم للوجود العسكري، رأت السلطات الفرنسية بضرورة تشكيل قوة عسكرية من جيوش دول منطقة الساحل الاقريقي بعد تقارير أمنية ملحة أكدت على عودة قوية للتنظيمات الارهابية في شمال دولتي النيجر ومالي ووصولا إلى بوركينا فاسو والكاميرون وتشاد رغم تواجد 12 ألف رجل من قوات حفظ السلام الاممية وقرابة 4 الاف عسكري ضمن قوة "بارخان".

تبقى مشكلة القوة الافريقية المشتركة افتقادها للتدريبات العسكرية التي تتماشى مع تقنية ملاحقة وضرب مقاتلي التنظيمات الارهابية التي تعتمد على خفة الحركة والعمليات الخاطفة ونصب الكمائن، وهو ما جعل، المانيا والولايات المتحدة، تتعهدان بتدريب جنود هذه القوة بكيفية تجعلهم يتكيفون مع حرب اشبه بحرب العصابات إلى جانب جمع التمويلات المالية، وهي المسألة التي ماتزال قائمة وبإلحاح.

في 15 يناير الفارط، اجتمعت فرنسا مع نظرائها في قوة مجموعة الساحل الخمس ودول  مانحة لدعم عمل هذه القوة ورفع عدد أفرادها إلى 5 ألاف جندي في ربيع 2018، إلى جانب حشد المجتمع الدولي  حتى تزداد قدرات  قوة مجموعة الساحل الخمس المكونة من جنود لخمسة بلدان في المنطقة هي مالي وتشاد وبوركينا فاسو والنيجر وموريتانيا.

وكان الرئيس، ماكرون، قد أعلن قبل ذلك، في 13 ديسمبر، عن دعم مالي إضافي  للقوة الأفريقية  مقدم من بلدين عربيين ( السعودية والإمارات ) بمجموع 130 مليون أورو خلال الاجتماع الذي عقده ببلدة "سيل-سان-كلو" قرب باريس، إلى جانب ما أعلن عنه الاتحاد الاوروبي من دعم مالي للقوة الأفريقية بقيمة 50 مليون  أورو، فيما أعلنت الولايات المتحدة عن رصد 60 مليون دولار في صورة تعاون ثنائي  لصالح الدول  الخمس المعنية وإصرارها على ترسيخ التواجد العسكري الامريكي في منطقة الساحل الافريقي من خلال الاتفاق مع سلطات "نيامي" باستخدام القوات الامريكية لطائرات بدون طيار انطلاقا من قاعدة يجري انشاؤها حاليا في مدينة "غداميس " والثانية من نوعها في القارة الافريقية بعد قاعدة "جيبوتي."، إلى جانب اعلان رئيس الوزراء  الايطالي عزم بلاده نقل بعض قواتها المتواجدة في العراق، 470 فردا، الى النيجر، في الوقت الذي شددت فيه المستشارة الالمانية، انجيلا ميركل، على ضرورة الاسراع في تطبيق إجراءات مكافحة الإرهاب في المنطقة من خلال  مساعدات لوجستيكية ومالية من الاتحاد الأوروبي.

في المقابل عالج رؤساء دول مجموعة "5 ساحل " في اجتماع بالعاصمة النيجرية "نيامي" أخر الاجراءات العملية تمهيدا لدخول القوة العسكرية المشتركة المرحلة العملياتية، مقررا في مارس الفارط، إلى جانب نقطة محورية تخص البحث عن مصادر تمويل أخرى للقوة المشتركة تضاف إلى المبالغ المحصاة، قالت بشأنه مصادر على صلة بالموضوع أن عدة عواصم من هذه الدول وجدت صعوبة كبيرة في توفير 250 مليون دولار إضافية من أجل وضع اللبنات الاولى لهذه القوة في انتظار وصول المساعدات الخارجية والوعود الدولية لتمويلها، واستدعت هذه الوضعية توجيه دعوات إلى عقد ندوات للدول المانحة من أجل إقناع دول أحرى بالمساهمة في تمويل هذه القوة.

 الأمني التنموي

 وكانت الجزائر قد رأت في التحالف العسكري الجديد بأنه محاولة لجرها  للتدخل عسكريا خارج حدود البلاد، وهي التي  حسمت في قرارها بعدم الانخراط في قوة التدخل السريع وساقت عدة مبررات تمنع الجيش الجزائري من إرسال قوات خارج البلاد  لمكافحة التنظيمات الارهابية الناشطة بالمنطقة في إطار ما تسميه بثوابت العقيدة العسكرية للجيش، وأوضح وزير خارجيتها، عبد القادر مساهل، في هذا الخصوص أن الجزائر لن تتخلى عن التنسيق الامني الميداني مع تلك الدول، خاصة في مجال التدريب والدعم اللوجستيكي والتعاون الاستخباراتي الذي مكن من إجهاض عدة اعتداءات إرهابية في مالي و النيجر، وهو عمل تؤديه في كتمان كبير، كما استثمرت كثيرا في تكوين الوحدات الخاصة لمكافحة الارهاب في المنطقة، مفيدا أنه ومنذ استقلال الجزائر ( 1962) إلى غاية اليوم تم تكوين أزيد من 65000 إطار إفريقي، متعدد الاختصاصات، لفائدة مالي والنيجر وباقي بلدان المنطقة.

من جهة أخرى، يقلل خبراء في الشأن الافريقي من مدى قدرة  هذه القوة الاقليمية في مواجهة تلك التحديات، وتزداد مخاوفهم من ان تعثر هذه  الجهود سيدخل منطقة الساحل الصحراوية في دوامة حرب عصابات دائمة وحرب  بالوكالة تنهك اقتصاد دولها الهش على الرغم من توفر المنطقة على ثروات طبيعية هائلة مثل الذهب واليورانيوم  والنفط  إلا انها تعد من المناطق الأقل نموا في العالم حيث يعاني سكانها من  ازمة فقر وقسوة المناخ وانعدام الأمن، مما أضعف امكانياتها للتصدي لنشاط الهجرة غير الشرعية والاتجار بالمخدرات والجريمة  العابرة للحدود.

وحذر مسؤول باللجنة الدولية للصليب الأحمر خلال منتدى  دولي للسلام والأمن في أفريقيا، عقد مؤخرا في داكار، من عواقب خطيرة قد  يعرفها اقليم الساحل الافريقي اذا لم تتخذ تدابير واجراءات كفيلة بوضع حد لموجة النزوح من خلال تحريك عجلة النشاط الاقتصادي بغية إقناع السكان بالبقاء في  مناطقهم، وانتقد التركيز الذي ينصب في المنطقة على القضايا  الأمنية العسكرية في الوقت الذي تعاني فيه الاسر من الجوع وتفقد الأمل في البقاء على  قيد الحياة.

 حقائق المقاربة

 وقدرت تقارير الامم المتحدة ووكالات الاغاثة الدولية احتياجات منطقة  الساحل سنة 2017 ب22 مليار دولار امريكي، وهي التقديرات المجددة للسنة الموالية،  لمواجهة أزمة غذائية وإنسانية خانقة تمس ثماني دول بالمنطقة ( تشاد ومالي والنيجر والكاميرون ونيجيريا وبوركينا فاسو وموريتانيا والسنغال) وإنقاذ ما يقارب 15 مليون شخص على الاقل من شبح مجاعة حقيقية.

كما تشير التقارير الى أن 11 مليونا من سكان الدول المطلة على "حوض التشاد" يحتاجون الى الاغاثة العاجلة، وأن نصف مليون على الأقل منهم بدأت أعراض  سوء التغذية في الظهور عليهم خاصة في مالي التي تشهد توترات سياسية واقتصادية، لهذا تزايدت دعوات الأمم المتحدة حسب منسقها العام لأنشطة الإغاثة الإنسانية الى اعادة بناء احتياطيات تلك الدول من المواد  الغذائية الأساسية سعيا منها لإعادة خمسة (5) ملايين من سكان بعض الدول  الثماني النازحين عن قراهم وكبح موجات المهاجرين غير الشرعيين نحو الشمال  هربا من ضيق العيش والجفاف القاتل.

ويجمع الخبراء والمراقبين للشأن الافريقي على أن غياب المقاربة الشمولية التنموية في معالجة الازمة التي تتخبط فيها منطقة الساحل الافريقي، وطغيان اهتمامات الفاعلين داخليا وخارجيا على الجانب الامني العسكري او محاربة  الإرهاب، سيؤدي إلى توالي حالات الفشل في المعالجة بفعل تهميش المقاربات  الاخرى منها دعوة الاتحاد الافريقي الى  مقاربة شاملة قوية مرنة وشاملة لكل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وكذا العسكرية لمنع التطرف العنيف والتصدي للظروف التي تساعد على انتشار  الارهاب في ارجاء القارة من خلال التركيز على الوقاية وإعطاء أولوية خاصة للشباب.

من هذا المنطلق تؤكد مختلف منابر الاتحاد الافريقي، رغم وقوع بعض أعضائه في حسابات وتحالفات الكبار، على ان معالجة الوضعية في هذه  المنطقة الحساسة من افريقيا تتطلب حلولا مستدامة وإجراءات متنوعة ومتكاملة، وعدم الانغلاق في البعد الأمني والعسكري، ففك ارتباط الشباب بالجماعات المسلحة والجريمة المنظمة يحتاج إلزاميا إلى استيعاب الاتجاهات السياسية المختلفة وخصوصا لدى الشباب ودعم الحوار السياسي الداخلي في دول  المنطقة من خلال ايجاد حلول واقعية للنزاعات المحلية والانفصالية التي غالبا ما تحدث بسبب سياسات التهميش والإقصاء، ولا تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الثقافية والعرقية.

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة