الجزائر ... ثورة وإرث ثوري
معن بشور
225

الجزائر ... ثورة وإرث ثوري

المواطنون العرب من المحيط والخليج يتذكرون هذه الأيام وقفة الجزائر إبان انعقاد القمة العربية على أرضها في 22 و 23 مارس/آذار 2005، ورداً على أخبار سربت عبر وسائل إعلام عدة بأن القمة ستتخذ قراراً بالإجماع بالتطبيع مع الكيان الصهيوني.


 يومها كان للجزائر كلمتها المدوّية: ليست الجزائر البلد الذي يخرج منه قرار بالتطبيع...

طبعا كانت الظروف العربية بأسوأ حالاتها بعد احتلال العراق عام  2003، وبعد التهديدات الإسرائيلية بالحرب على لبنان والمقاومة فيه، وبعد تزايد الضغوط على دمشق لسحب قواتها من لبنان في إطار تنفيذ القرار 1559 الأممي الذي أستهدف الجيش السوري والمقاومتين اللبنانية والفلسطينية، وفي ظل هيمنة أحادية لواشنطن على المشهد الدولي والإقليمي وحتى المحلي في العديد من أقطارنا...

يومها أوقف الموقف الجزائري تراجعاً خطيراً بدأ يفتك بالموقف الرسمي العربي العربي، ولم تكتف الجزائر يومها  بهذا الموقف، بل احتضنت الدورة السادسة عشرة للمؤتمر القومي العربي ( 6-9 نيسان/أبريل 2005) على أرضها في رسالة مدوية بتكامل الموقف الرسمي والشعبي العربي ضد محاولات فرض النظام الشرق أوسطي على الوطن العربي وفي مقدمه التطبيع....

أقول يتذكر المواطنون العرب هذه الأيام تلك الوقفة للجزائر بقيادة رئيسها المناضل عبد العزيز بوتفليقة وهم يرون اليوم غزوة تطبيعية مهينة لكل عربي ولكل مسلم، وهي غزوة تحمل نتنياهو وأعوانه إلى عواصم عربية فيما الدماء الفلسطينية تراق على تخوم غزة، وفي رحاب الأقصى، وعموم فلسطين...

ولم يكن ممكناً للقيادة الجزائرية أن تتخذ مثل هذه المواقف المكلفة سياسياً في ظل هيمنة أمريكية على العالم. وهيمنة صهيونية على القرار الأمريكي، لو لم تكن مستندة إلى إرث عربي وإسلامي كبير مستمد من ثورة التحرير الجزائرية التي انطلقت في الأول من نوفمبر عام 1954 وانتصرت في الخامس من يونيو 1962 برحيل الاستعمار الفرنسي عن الجزائر بعد 131 عاماً من الاحتلال.

بل لم يكن ممكناً للجزائر أن تواجه الغزوة التدميرية والفتنوية الكبرى ضد أقطار عربية عزيزة منذ عام 2011 بموقف متميّز عن دول نافذة وفاعلة ومؤثرة في النظام الرسمي العربي لو لم تكن قيادتها مستندة إلى شعب عربي مسلم يرفض التفريط بأمن واستقرار أي بلد شقيق، عربياَ كان أم إسلاميا أم أفريقياً...

وفي حوار جرى بين مهتمين بالشؤون القومية للأمة، وفي مقدمها الشأن الفلسطيني، كان هناك إجماع على أن إرث الثورة الجزائرية العظيمة العابق بالكرامة والعدالة والحرية والانتصار للمظلومين ومقاومة الظالمين هو وحده القادر على تفسير هذه المواقف المتميّزة للجزائر، التي استطاعت رغم كل ما تواجهه من ضغوط خارجية، ومشاكل داخلية، أن تبقى جذوة الانتماء العربي الإسلامي حاضرة في وجدانها تعبر عن نفسها في كل منعطف تاريخي هام من منعطفات الأمة...

في ذلك الحوار أيضاً كان اتفاق شامل على أن الجزائر ما كانت لتتعرض ما تعرضت إليه في العشرية الدامية في نهايات القرن الماضي لولا رغبة استعمارية وصهيونية في استئصال هذه الروح المتوثبة لدى شعب الجزائر » المسلم المنتسب للعروبة« حسب قول الشيخ بن باديس رحمه الله...

ولم يكن من قبيل الصدف أبداً إن تلك الفتنة الدامية التي عاشتها الجزائر بتخطيط خارجي وجهل داخلي، انطلقت مع موجات التفريط في الحق الفلسطيني والعربي عبر اتفاقات معروفة بدأت عام 1979 في كمب ديفيد وتصدت لها الجزائر بقيادة الزعيم الراحل هواري بومدين، ثم توجت باتفاقات أوسلو(1993) ووادي عربة (1994) فيما كانت الجزائر مشغولة بتلك الأحداث الداملية والمؤلمة... حتى يمكن القول أن ما يسمى "بالربيع العربي" لم يبدأ في الأقطار  المكلومة كليبيا وسوريا واليمن، بل بدأ أولاً في الجزائر التي لم تستهدف لذاتها بل كان المقصود استهداف المغرب العربي الكبير، كله، وواسطة  العقد فيه الجزائر، بل الوطن العربي كله والجزائر في طليعة المدافعين عن استقلاله وأمته وكرامته...

في ذلك الحوار الذي ضم نخبة عربية مميّزة من رجال  الفكر والنضال في الأمة، كان هناك رأي بأن للجزائر اليوم دور هام في استنهاض الأمة كلها، كما استنهاض عالمها الإسلامي وقارتها الإفريقية، تماماُ كما كان دورها بعد الاستقلال حيث لم تخل عاصمتها يوماً من ثائر عربي أو إفريقي أو أمريكي لاتيني يرى فيها محجة لثوار العالم وقبلة لمناضليه....

بالتأكيد إن الظروف اليوم مختلفة عن ظروف الأمس، ولكن أيضاً هناك تحولات ومؤشرات في وطننا العربي وعالمنا الإسلامي والمشهد الدولي تشي بأن تغييرات كبرى تحصل، وان لدولة كالجزائر دور كبير في إنضاجها واستثمارها لتحقيق مصالح الوطن والأمة والعالم بأسره...

ولعل أبرز هذه التحولات والمؤشرات هو ما يحصل على أرض فلسطين، من مسيرات عودة، واعتصامات في الأقصى، ومواجهات في الأرض المحتلة من فلسطين إلى الجولان، وهي التحولات التي تدفع بأعداء هذه الأمة إلى استعجال تنفيذ صفقات مشبوهة كصفقة القرن، وكغزوات خطيرة كغزوة التطبيع، في محاولة استباقية لمنع هذه التحولات من أن تأخذ مفعولها...

ولقد تذكرنا في ذلك الحوار المهم، العدوان الثلاثي على مصر في مثل هذه الأيام 1956، والذي كان أيضاً محاولة استباقية للحيلولة دون انتصار ثورة كالثورة الجزائرية وغيرها من حركات التحرر القومي والعالمي، والتي كانت مصر بقيادة جمال عبد الناصر قاعدتها الصلبة، دون أن ننسى أن حكومة غي موليه الفرنسية لم تخف أن من أسباب ذلك العدوان الذي كانت فرنسا أحد أركانه هو دور مصر في دعم الثورة الجزائرية، بل أن الكثير من المصادر ذكرت أن موعد اختطاف طائرة الثوار القادة الخمسة التي حصلت في 22 أكتوبر/ تشرين أول 1956 (قبل أسبوع على العدوان) كان هو ساعة الصفر الحقيقية لذلك العدوان...

في الجزائر ثورة تدخل عامها الرابع والستين، وفيها أيضاً إرث ثوري متجدد ينبغي صونه  والحفاظ عليه لأنه ثروة الجزائر الحقيقية.

 معن بشور، الأمين العام الأسبق للمؤتمر القومي العربي

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة