التّاريخُ لحْظةُ يقَظةٍ تتجَدّد ؟!؟
خليفة بن قارة
664

التّاريخُ لحْظةُ يقَظةٍ تتجَدّد ؟!؟

ما زال الجزائريون يناضلون ويكافحون من أجل استكمال استقلالهم المُسترجَع بدماء مئات الآلاف من الشهداء، وهم يشعرون أنهم كلما مضوا في هذا الطريق، انفجرت فيهم الألغام التي زرعها المُحتل قبل أن يُرحَّل، وأظن أننا لو قرأنا تاريخ ثورتنا المسلحة جيدا، ومن غير أدلجة أو تعصّب مذهبي، لكنا أزلنا كثيرا من تلك الألغام، التي تصيب الأجيال اللاحقة أكثر من غيرها، إذ في كلِّ يوم، من كل شهر، من كل سنة، من سنوات الثورة، لنا قصص لا بد أن تُحفَظ تحفيظا، ولا تبقى فقط حبيسة أرشيف الذاكرة، ففي شهر فبراير وحده مئات الحكايا، عن شعبٍ لم يستكن يوما، للاحتلال الاستيطاني الفرنسي البغيض، ولم يرض عن حريته المُصادَرة بديلا، وإن كان ذلك الاحتلال الذي خرج مدحورًا، فإنه عاد متسلِّلا في أشكال ناعمة ولكنها أكثر فتكا .

شهر فبراير، تركت أيامُه في الذاكرة الجماعية للجزائريين، تجاويف لا بد أن نضعها تحت جهاز مُكبِّر الرؤية، ففي السادس منه، من العام السادس والخمسين بعد التسعمائة وألف، أقسم رئيس حكومة الاحتلال يومئذ أمام المستوطنين، أن فرنسا ستناضل من أجل بقائها في الجزائر، وأنها ستبقى فيها، لأن الجزائر لا مستقبل لها بدون فرنسا ! وبعد عام، وفي نفس الشهر، ردّت فرنسا الكولونيالية، على مناقشة القضية الجزائرية، من طرف الأمم المتحدة، بإعدام ثلاثين جزائريا، بتهمة الثورة على ظلم الاحتلال ومفاسده، وكلما زاد إصرار الجزائريين على المقاومة، كلما كشفت فرنسا الاستدمارية، عن وحشيتها وهمجيتها التي ما عادت تخفيها، شعاراتُها الإنسانية الكاذبة المخادعة، فقد أصدر وزير الحرب الفرنسي الأوامر لطيرانه، كي يدك قرية سيدي يوسف التونسية، التي كانت القاعدة الخلفية للاجئين الجزائريين، وتنقشع سحب الغارة، عن مجزرة سقط فيها خمسة وسبعون شهيدا، بين جزائريٍّ وتونسي، اختلطت دماؤهم في الثامن من شهر فبراير، من العام ثمانية وخمسين وتسعمائة وألف، لم تجد معه تونس، سوى أن اشتكت أمرها إلى مجلس الأمن، وطالبته بالبحث عن حلٍّ في الجزائر الثائرة، يضع حدًّا للحرب التي توسّعت إلى تونس، وراحت تُهدِّد السلم والأمن الدوليين، وقد ردّت إدارة الاحتلال على الشكوى، بإنشاء منطقة مُحرَّمة على الحدود الجزائرية التونسية 

لم تلتفت حكومة الاستدمار، إلى نداءات العقل، التي كان يطلقها المجتمع الدولي، من أجل وقْف العدوان، وفسْح الطريق أمام تقرير المصير للشعب الجزائري، بل تعنّتت أكثر، وأصرّت على رفْع وتيرة قتْلِه والتفنّن في البطش به، فقد أعطت الجنرال شارل دوغول سلطاتٍ استثنائية، حرّرته من المساءلات البرلمانية، التي كان يمكن أن تحدّ من جبروته، تجاه ما يفعله في الجزائر، من جرائم في حق الجزائريين، عُدَّت في وقتها ومازالت، ضمن ما يعاقِب عليه القانون الدولي، باعتبارها جرائم إبادة، وجرائم ضد الإنسانية، وفي مثل يوم أمس، من عام ستين وتسعمائة وألف، فجّر في الجزائريين بأدرار، أولى قنابله النووية، التي أطلق عليها اليربوع الأزرق، والتي فاقت قوتها التدميرية بأضعاف مضاعفة، القنبلة التي ضربت بها أمريكا، مدينة هيروشيما اليابانية، ولم يُوقِف تجمُّعُ ستٍّ وعشرين دولة، هذا العمل الإجرامي، كما لم يمنعه من مواصلته، تشكيلُ لجنة حدّدت الإجراءات الواجب اتِّخاذها، بُغية إيقاف هذا الجنون الفرنسي، بل تمادى وجعل من هذه الخطيئة الكبرى، بداية لسلسلةٍ من التفجيرات، التي وُضِع لها الجزائريون كفئران تجارب، ومازالت آثارها تقضي على كل معالم الحياة، الإنسانية والحيوانية والنباتية، بمناطق واسعة من صحرائنا إلى اليوم، وامتدّ أذاها حتى إلى دول الجوار 

إذا كان القتل والتنكيل والتشريد والتفجير، لم يزد الجزائريين، إلا ثباتًا على الطريق الذي ارتضَوْه، من أجل الوصول إلى الحرية، وإذا كانت محاولات زرع الفتنة، بين الشعبين الجزائريِّ والتونسي، من خلال مجزرة ساقية سيدي يوسف، لم تفعل أكثر من إعادة اللحمة أقوى، مما كانت عليه، بين شقيقين لا تفرِّق بينهما سوى حدودٍ وهمية أقامتها السياسة، فإن العبرة من التحديق في كل مرة، في مرآتنا العاكسة لأحداث الذاكرة، إنما لنظر مليا في المستقبل، من أجل الاستعداد للانطلاق نحوه بقوة، في حربٍ أخرى، ضد التخلف وبقايا الاحتلال، بغية الوصول إلى مستقبل تُصان فيه وديعة الشهداء، وتُحقَّق فيه أحلامهم التي من أجلها استشهدوا، كي يفرحوا بنا من وراء قبورهم، فلا يلعنوننا عما فعله السفهاء منا، لأن التاريخ ليس أحداثا تُروى فقط، ولا ملهاة سياسية، يُدجِّل بها هواة السياسة والمغامرون، على الشعوب ولكنه لحظة يقظة تتجدّد في تلك الشعوب، فهل سنحلم قريبا، بجزائر قوية بأزمنتها الثلاثة، في جهدٍ يشترك فيه كل أبنائها، وبحدودٍ بين الأشقاء، ليس فيها حواجز ولا متاريس، بل جسور للتعاون المثمر الذي يستفيد منه السكان على جانبيْ الحدود، ولا يرفعه السياسيون شعارًا فقط، مع كل ذكرى شعارًا لانتصاراتهم الزائفة ؟؟؟ز.

 

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة