الإمبراطورية الأمريكية الساقطة ؟
خليفة بن قارة
42

الإمبراطورية الأمريكية الساقطة ؟

لم تُخْفِ أمريكا- يوما- دعمها للكيان اللقيط الذي احتل فلسطين، ولم تُنكِر وقوفها إلى جانبه، بل اعتبرته ولاية من الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك منذ اغتصابه لأرض الشعب الفلسطيني التاريخية، وهضم حقوقه قبل سبعين عاما، ووظّفت كل ما تملك من أجل تقويته، وتجريد العرب من قوتهم أو الحد منها، حتى يسقط- بالتقادم- حقهم في المطالبة بما قضمتهم إدارة هذا الكيان من أراضي بلدانهم، أو التخلِّي عن مساندتهم لشقيقهم الشعب الفلسطيني، ولأن النظام العربي انتقل من الشرعية الثورية، إلى الشرعية الديكتاتورية، التي جرته من عمقه الشعبي وأفقدته مناعته بعدما عرّته أمام الأمة، فقد ارتمى هذا النظام في الحضن الأمريكي، وجعله الراعي والحكم معا، في قضية هو طرف أساسي فيها، ظنًّا منه أنه سيستعيد بذلك ما ضاع فزاد ضياعا.
قد تكون محطة أوسلو هي الأسوأ، التي أوصل العربُ الشعبَ الفلسطيني إليها، الذي فقد فيها نصف ما بقي له بعد إنشاء الإدارة الصهيونية، وارتاحت أمريكا لإنجازاتها الظالمة، بجرِّها جُل بلدان هذا النظام، إلى حالة التطبيع علانية أو سِرًّا، ولكن نار الثورة التي أشعلها قبل ذلك، مخلصون صدقوا ما عاهدوا الله عليه لم تخمد، وإن ظلّت تستعر تحت الرماد، تنتظر فقط لحظة اللهب القادمة، ولما لم تستطع تحقيق أهدافها، راحت تخوض حربا ناعمة، ولكنها أكثر ضراوة وفتكا بالحاجز النفسي، الذي ظلت الشعوب العربية والإسلامية تحتمي به، من التكسير والتذويب والإلغاء، وتتمثّل هذه الحرب، في خلق دعائم إعلامية بالمال الخليجي، ظاهرُها مطاردة الحقيقة الغائبة، في الممارسة الصحافية لدى النظام العربي، ببناء منظومة إعلامية، تكون في مستوى نظيرتها الغربية، وباطنها تبييض وجوه مجرمي الحرب الصهاينة، بإدامة استضافتهم في الفضائيات الجديدة، وإدخالهم عبْرها إلى البيوت العربية، حتى استأنس العرب بأولئك القتلة، واعتادوا على رؤيتهم، إلى أن تكوّن ما يُشبِه الصداقة، بين الضيف القادم على متّن تلك المحطات، وبين أمةٍ ما زالت تحمل جراحها وآلامها على أكفها، وتختزن صور ذلك المُجرِم، الذي يظن عرّابو هذه السياسة، أنهم غسلوه من أردانه، وأصبح واحدا من أفراد العائلة.
أصرّت أمريكا على ابتزاز "زعماء" النظام العربي، من أجل إقامة سلامٍ يصب كله في صالح ربيبتها، أو ولايتها الإحدى والخمسين، ويكون ربما أكثر ظلمًا من الاحتلال ذاته، واستطاعت إجبارهم على القبول بذلك، بعد أن قايضتهم عليه بكراسيهم المتحرِّكة، ومع ذلك لكنها لم تفعل إداراتها السابقة، مثلما تفعله اليوم إدارة دونالد ترامب، الذي لن أتحدّث عن شذوذه السياسي، ولا عن اختلافه مع كل ما يراه العالم، حول قضاياه المصيرية، كما لن أتطرّق إلى فوضاه في تسيير البيت الأبيض، ولا عن خلافه مع العدالة، التي ردّت عليه قراراته الطائشة، ولا عن تغريداته التي تناقض تصريحات مختلف أعضاء حكومته، أو تعارض ما يقول به الكونغرس، ولن أتعرّض أيضا، إلى أسباب معاداته للإعلام، حيث كاد يُحوِّل أمريكا في ظرفٍ وجيز، من عالم تهوِي إليه قلوب الباحثين عن الحرية، إلى قلعة مفتوحة على قمع حريات الرأي والفكر والدين، وكأنه ينتقم من الرؤساء الأمريكيين الذين سبقوه، وأظنه أمضى على وثيقة احتلال اللوبي الصهيوني للقرار الأمريكي، ولكنني سأمرّ عابرًا بالحالة الفريدة التي استحدثها هذا "الترامب" في علاقات أمريكا بالجغرافيا العربية، فقد رفع منسوب "حَلْبِه" للضِّرْع الخليجي، إلى مستوى لا يرقى إليه إلا تاجر أو سمسار، يملك كل أوراق اللعبة التي يعرف كيف يُذِلّ بها زبائنه المقهورين، فنزل بالرياض في أول زيارة له إلى الخارج، وفيها اجتمع مع رؤساء الدول الإسلامية، كبطل لمحاربة التطرّف الإسلامي الذي هو صناعة أمريكية، ثم جمع إليه حكام دول الخليج، ليقتطع منهم مبالغ مالية خيالية، تجاوزت مئات الملايير من الدولارات، كضريبة لوجود القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها، بدل أن تدفع أمريكا لتلك الدويلات، مقابل وجودها الدائم، وما كادت طائرته تعود به إلى واشنطن، حتى انفجرت القنبلة التي وضعها في البيت الخليجي، حيث أخرج الشركاء الساقطون في الحضن الأمريكي الصهيوني، شريكهم الصغير في أسوإ وضعٍ أصبح عليه الخليجيون.
إذا كان هذا الرئيس الظاهرة، قد بدا مضطربا عاجزا أمام ذلك الشاب الكوري، الذي تحدّاه بإجراء سلسلة من التجارب النووية والباليستية، جعلت كوريا الشمالية ندًّا عنيدا للقوة العجوز، فإنه ظهر مستأسدا قويّا عازما غير متردِّد، على إنهاء القضية الفلسطينية، بما تشتهيه الطغمة المغتصبة لفلسطين، وبمباركة العرب المتصهينين، الذين راحوا يضخون من أموال شعوبهم في الخزينة الأمريكية، ما لم تحلم به إدارة أمريكية سابقة، و كان ابتدأ حكمه برفضه مبدأ الدولتيْن، الذي هو إنتاج أمريكي أصلا، وطرح عوضا عنه مبدأ الدولة الواحدة، المرفوض حتى من طرف شركائه الغربيين، ولن ينهيه بالاعتراف بالقدس كعاصمة للكيان الصهيوني ونقل السفارة الأمريكية إليها، وهو إن حدث سيجعل الشعب الفلسطيني، أمام خياريْن لا ثالث لهما: الموت أفرادا وجماعات، دفاعا- بكل الوسائل المتاحة- عن الأرض والعرض، وإما الموت ذُلاّ وتشريدا تحت حكم آل صهيون ومَن يواليهم، ولو أن ترامب استطاع فِعْل ذلك، فسيكون صاحب الفضل الأكبر، في بعْث انتفاضة شعبية فلسطينية عارمة، لن تنفع معها الآلة الصهيونية الأمريكية الجهنمية، ولا أساليب ترغيب وترهيب عرب الحلف المتصهين الذي تشكّل، بل أعتقد أن الرئيس ترامب، يكون بدأ السير بأمريكا نحو الانكماش أو التفتّت، بعدما جرّدها من كل القيّم الإنسانية، التي جاءت بها الثورة الأمريكية، وتعملق بها المجتمع الأمريكي، ويكون قد اتّجه بها فعلا نحو الهاوية والسقوط .
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة