نذير بولقرون
2227

"سامحونا.. لقد خنا الأمانة!"

"من الحكم إلى المحكمة فإلى السجن.. إنها لحظات فارقة، انتقل فيها رؤساء حكومات ووزراء ومسؤولين كبار في الأمن ورجال أعمال من أيام العز ورغد العيش إلى ذل السجن وظلامه وقهره، هؤلاء الذين كانوا ملء السمع والبصر، انتهى بهم المطاف إلى خلف الأسوار والقضبان.." 


ألم يكن واجبا على كل هؤلاء الذين يقبعون في سجن الحراش، وكذا الذين يتوافدون على المحاكم تباعا، في مشاهد مذلة، ألم يكن مطلوبا منهم قبل المتابعات القضائية الجهر بالقول، في وقفة شجاعة: "سامحونا"، طالبين من الشعب العفو والصفح، عما اقترفوه من جرائم موصوفة.

إن من السمات المميزة للحراك الشعبي هو هذا الرفض القوي- قوة تثير الدهشة- لكل رموز الفساد، من المفسدين والفاسدين. هؤلاء الذين حولوا مقدرات الأمة إلى ملكية خاصة، دون حسيب أو رقيب، كان عليهم، قبل أن تكبلهم الأصفاد، أن يمتلكوا الشجاعة لكي يعترفوا بما ارتكبوه من خطايا في حق الشعب. هذه الشجاعة التي غابت عنهم، هي التي كانت تزودهم بالقوة في  استغلال النفوذ والدوس على القانون.

فالرؤوس التي كانت تتعالى على الشعب وتخاطبه في استعلاء واحتقار وتتحكم في مصيره، لا تقوى اليوم على النظر في عيون الشعب، بل إنها تلتصق بالأرض، شعورا منها بالحسرة والخسران. فهل يوميات السجن، بكل مرارتها، قادرة على بعث الحياة في الضمائر الميتة  وإعادة تصحيح النظرة للمسؤولية، بأنها ليست ألقابا وامتيازات واستغلالا للنفوذ واستقواء على الشعب.

للأسف الشديد، فإن مشاهد الفاسدين، وهم يتكدوس في المحاكم والسجون،  تبدو مؤلمة، لأنها تعطي صورة واضحة ليس فقط عن فساد معمم، بل أيضا عن سلطة، افتقد رموزها كل ما له صلة بالدين والأخلاق والقيم الإنسانية، دون الحديث عن رادع القانون وسلطان الضمير.   

 إلى حد الآن لم نسمع أحدا من هؤلاء، وأقصد هنا الكبار الذين يستقوون بالمنصب والنفوذ يقول: سامحوني لقد سرقت ونهبت وتقاضيت الرشاوى، كذبت واستغليت منصبي، لأني وزير أول أو وزير أو مدير أو مسؤول كبير أو رجل أعمال!

لم نسمع أحدا من مسؤولينا، اعترف واعتذر وطلب من الشعب أن يحاسبه على جريمته وخيانته للأمانة.

هناك في بلاد أخرى، يضفون على المال العام حرمة، تصل إلى حد التقديس.

 انتحر رئيس وزراء دولة كبيرة-  هي بالنسبة لنا القدوة والمثل- لأنه اتهم باستغلال منصبه، في الحصول على قرض.. مجرد قرض.

 اعتذر الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، لأنه كذب ولم يعترف بإقامة علاقة جنسية غير شرعية، وقال مخاطبا شعبه بصوت يدعو إلى الشفقة: "نعم لقد كذبت، ومن حقكم أن تحاسبوني".

استقال نيكسون أمام العالم وقال لمواطنيه: لقد أخطأت، سامحوني، وإني لا أستحق كرسي الرئاسة، وقرر الاعتزال.

الممثل المشهور شوارزنيجر، بعد انتخابه حاكما لكاليفورنيا، عثر على شريط له وهو في ملهى يداعب النساء في حالة مجون.. لم يهرب من تحمل مسؤوليته، لم يركب رأسه وهو الحاكم والمعروف عالميا، بل اعترف بخطئه واعتذر.

هناك مئات الأمثلة عن مسؤولين ورجال دين ونجوم مجتمع ومشاهير كبار، اعترفوا بإدمانهم ودخولهم مصحات العلاج، أقروا أمام الملأ بالنهب والاستيلاء على المال العام، ورضخوا لأحكام القضاء، مفضلين أن يتطهروا بالعقاب وليس بالهروب أو الهجرة من البلاد.

 إن المتعارف عليه، هو أن الفساد " يتآخى ويتأزر"، فهناك دوائر تحيط بالسلطة تقوم بإعادة إنتاج الفساد، مع دوائر أخرى حولها، ثم تقوم هذه الدوائر بالفعل ذاته وتنقله إلى دوائر تالية، وهكذا تتكون دائرة واسعة من المفسدين، لا تقبل الغرباء "الشرفاء" في صفوفها، فإما أن تلوثهم  معها وإما تدفعهم إلى الفرار.

 وكما هو متعارف عليه، فإن المسؤول الفاسد ينتج فاسدين من حوله، أفقيا وعموديا، إلى درجة أننا نجد في قرى نائية من يتكلمون  باسم هذا الفاسد!

وقد يقول قائل: إن الفساد موجود في كل المجتمعات، حتى تلك العريقة في الديمقراطية، إلا أن الفرق بين المجتمع الديمقراطي وغيره يتمثل في أن القانون له الكلمة الفصل، لا أحد فوقه، ثم أن المجتمع يمارس حقه في الرقابة من خلال مؤسساته المكلفة.

أما عندنا فقد أصبحت المسؤولية في بلادنا "ولادة جديدة" للمسؤول، حيث يتدفق المال السائب بلا حساب، وما أكثرهم الذين احتلوا المناصب وخرجوا منها بالملايير التي لا تحصى، وما أقلهم، أولئك الشرفاء الذين خرجوا كما دخلوا، زادهم التقوى والعفة والأثر الطيب.

ومن الطبيعي، أن نسمع هذه الأيام من يقول إن إيداع فلان وفلان السجن ما هو إلا محاولة من السلطات لذر الرماد في العيون! وتذهب تلك الأقوال إلى التأكيد بأن المسألة لا تتجاوز حدود الاستهلاك وتصفية حسابات، وقد يجد هذا التشكيك مبرراته المشروعة في ظاهرة غياب المساءلة وشيوع ثقافة  التنصل من المسؤلية، فكوارث الفساد معلومة، لكن لا نعرف من هو المسؤول، في ظل الخلط الواضح بين الأسباب والنتائج، حيث عادة ما يكون الانشغال بأعراض المشكلة وإهمال الجذور! فالفساد له مصادر عدة، على رأسها غياب الرقابة وإهدار قيمة القانون.

يتحدث الناس عن أويحيى وسلال وبن يونس وزوخ وطحكوت وحداد وكونيناف وشكيب خليل وعبد السلام بوشوارب ووولد عباس، كما تحدثوا عن "البوشي" و"الخليفة" ويتحدثون عن فلان وابن فلان بالأسماء الصريحة، لأن الأخبار المتداولة عن هذا المسؤول أو ذاك لم تصبح من الأسرار، بل هي معلومة ومتداولة ولم تعد خافية على أحد، خاصة وأن الفاسدين يفضحون أنفسهم بما يمارسون من فساد.

إن الجميع يعترف ويعتذر ويطلب العفو، لأن الاعتراف بالخطأ أفضل من الاستمرار في اقترافه أو التستر عنه أو إنكاره، على طريقة هؤلاء الذين لا يشعرون بالندم ولا يستحون.

نريد أن نسمع من الذين نهبوا المال العام وعاثوا في الأرض فسادا،  كلمة: سامحوني، إني أعتذر، لقد سرقت ونهبت، كذبت وحصلت على رشاوى وعمولات استغليت منصبي وخنت الأمانة.

 إن دوام الحال من المحال.. من الحكم إلى المحكمة فإلى السجن.. إنها لحظات فارقة، انتقل فيها رؤساء حكومات ووزراء ومسؤولين كبار في الأمن ورجال أعمال من أيام العز ورغد العيش إلى ذل السجن وظلامه وقهره، هؤلاء الذين كانوا ملء السمع والبصر، انتهى بهم المطاف إلى خلف الأسوار والقضبان.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة