إلى سادتي الشهداء
نذير بولقرون
314

إلى سادتي الشهداء

في كل يوم، منذ كارثة الطائرة المنكوبة، تودع الجزائر شهداءها الكرام وتذرف الدمع السخي على فلذات أكبادها، وكيف لها لا تحزن، وقد فقدت أبناء لها في عمر الورد.


كان يجب أن تبكي الأفئدة بحرقة وقد حق لها البكاء، وها هو الحزن قد اجتمع على قلب وطن واحد، حيث اتفقنا جميعا على دمعة واحدة.
أكان عليكم، أيها الشهداء، أن تبوحوا بخفايا المحبة، فإذا أنتم تسكنون حنايا العيون والقلوب، وإذا الوطن ينحني إجلالا لأرواح شهدائه.
أكان عليكم أن تظهروا بكل ذاك الوهج، إنكم البدور الساطعة، لن تغيب يوما عن سماء الوطن.
أكان قدر عليكم أن تبدوا نجمة هدى وعنوان الشموخ، فأنتم رمز الإيثار ومبعث الفخر والاعتزاز.
نعم، سادتي الشهداء، إن "الشوق بعد الموت لا يطاق"، فالرزء فادح، تنفطر له القلوب وتدمع له الأعين.
يقف ذلك الأب، كطود شامخ، يتحدى الألم، وهو ينعي ابنه الشهيد: "الشهداء لا يبكي عليهم أحد.. إن أشرف موت هو موت الشهداء".
تقف تلك الصبية، يلفها الحزن والسكون، تنظر إلى السماء، كأنما تنتظر حبيبا رحل وقد تحجر الدمع في المآقي، تقول في عنفوان الصبر: "لقد رحل خطيبي إلى الجنة، كانت آخر كلماته وهو يودعني: اتهلاي في روحك.." ، وكتبت له في ذلك الصباح الباكر وهو يركب الطائرة: »تبقى أنت وحدك حبا في قلبي"، فهل يعلم حبيبي أن صورته محفورة في عيوني، إن شوقي إليه يقتلني وان هواه لن يموت.
تقف تلك الأم المكلومة، يسخن الدمع على وجهها، تبتعد قليلا عن المعزين، تنزوي أمام الباب تنتظر اللقاء، وهي تدري أن لا لقاء، تهمس في صمت : إني أرى طيف فلذة كبدي ولا أراه، ومن هناك يأتيها صوت الشهيد: أماه لا تحزني، إن جاءك الخبر، قري ونامي، لا ذرفي دمعك الغالي، إني بدار الخلد أنتظر..
تقف تلك الزوجة المفجوعة، إنها ليست وحدها، فالدمع السخين صار ندى للجزائر كلها، تلوذ بالصمت، لأن الكلام يكف عن الكلام من هول الفاجعة، تنطق عيناها بحرقة الأسى ولوعة الفراق، إلا أن صبرها فاق الصبر، فلله ما أخذ ولله ما أعطى.
كيف لا تبكي الجزائر شهداءها وكيف لا ينهمر دمعها السخي على أبناء لها في عمر الورد..
في كل يوم، منذ الحادث الأليم، تنتظر الأسر شهداءها، شهداء الواجب الوطني، الذين وهبوا حياتهم لخدمة الوطن، تحت راية جيشنا الوطني الشعبي، جدار الأمة وحصنها المنيع.
في كل يوم، تزف قرية أو بلدة أو مدينة شهيدا إلى جنة الخلد، تتلقى العائلة ابنها مسجى براية الوطن، رمز الوطن وعنوان الإباء والشموخ.
يتوحد الوطن، وهو الواحد، يتلاحم الشعب وهو المتلاحم، لكنها لحظات تتجلى فيها الوحدة ويتألق فيها الشعب، وكأنه يعلن عن نفسه بهذا التجلي، فإذا هو يقف في عزاء واحد.
هكذا هي الصورة، في وضوح معانيها، كل مواطن يشعر بالحزن العميق، تضامنا مع عائلات هؤلاء الضباط والجنود وتقديرا وعرفانا للجيش الوطني الشعبي، الذي يوطد كل يوم مكانته السامية في قلوب الجزائريين.
هذا الشعور، يتجاوز لحظة العاطفة ورد الفعل على الحادث الأليم، إلى موقف وطني، يمليه واجب التضامن والتآزر، فإذا كل مواطن في شرق البلاد وغربها، في جنوبها وشمالها، يشعر بأنه معني بهذه الفاجعة، لأنه يتقاسم هذا الوطن مع إخوانه ويتلاحم معهم في السراء والضراء.
لم يكن هذا التعاطف، الذي تجلى في أكثر من صورة ومشهد، تعبيرا عن لحظة تأثر عابرة، يفرضها الإحساس بالحزن على رحيل هؤلاء الشهداء، بل هو ترجمة صادقة، لما يكنه كل مواطن ومواطنة من تقدير خاص للجيش الوطني الشعبي، الذي بفضل تضحيات خيرة كفاءاته وإطاراته وجنوده، تنعم بلادنا بالسلم والاطمئنان.
لقد مست تلك المحنة العصيبة كل العائلات الجزائرية، بحيث كانت على قلب واحد، حزنا وألما، إيمانا واقتناعا بأن الذين استشهدوا هم أبناؤنا وفلذات أكبادنا، أسود الحدود، حراس الوطن وحماته والمدافعين عن أمنه وأمانه.
إن الهبة التضامنية الرائعة، التي عبر من خلالها المواطنون، بجميع فئاتهم وعبر كافة جهات البلاد، عن تآزرهم وتعاطفهم مع عائلات الشهداء هي، علامة واضحة وناصعة عن المكانة المرموقة التي يحتلها الجيش الوطني الشعبي في قلوب الجزائريين، حيث يحظى أفراده باحترامهم وتقديرهم، مما يؤكد بأن جيشنا- وهو القوي بوطنيته وعقيدته وكفاءته- يتوفر على دعم الشعب كله.
اسماعيل، جمال، رمزي، محرز، فاروق، محمد، توفيق، مهدي، بشير، كمال، علي، صالح، زهير، رضوان، رشيد وغيرهم، هم أبناء الجزائر كلها، والحزن على رحيلهم رسالة وفاء وعرفان لكل ضابط ولكل جندي، لكل هؤلاء الذين يقدمون التضحيات الجليلة وقرابين الدم الطاهر في سبيل الوطن المفدى.
إن مشاعر التعاطف مع عائلات شهداء الواجب الوطني، دليل على وحدة الشعب والتفافه حول جيشه العتيد، وإن صورة البطولة والتضحية، التي يتصف بها الجيش الوطني الشعبي، هي التي توطد مكانته السامية في قلوب الجزائريين، وها هي أرواح شهداء الواجب، تؤكد علينا مجددا واجب احترام الأمة لجيشها الباسل الذي يؤدي مهمته بروح وطنية عالية وشجاعة فائقة.
نعم، حق للجزائر أن تبكي أبناءها، الذين نذروا حياتهم فداء للوطن.
فسلاما أشبالنا وأبطالنا،أبناء الشعب وحماته، الذين رحلوا في عمر الزهور.
سلاما وتحية مفعمة بالمحبة والفخر.
أكان كثيرا علينا أن يتجمد الدمع في المآقي حزنا على فراقكم وأن ندعوكم: سادتي الشهداء.
هنيئا لكم شرف الشهادة.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة