الإعلام التلفزيوني
زين العابدين بوعشة
10538

الإعلام التلفزيوني

أتذكر عام 1985، أي قبل 31 سنة، لما كنت طالباً بالجامعة قسم الصحافة السمعية البصرية، قرأت كتاباً لمحمد حسنين هيكل بعنوان " بين الصحافة والسياسة" وجلبتني عبارة كتبها حسنين هيكل يقول فيها " لم تعد السيادة الوطنية يرمز لها علم أو جيش للدفاع عنها، وإنما، أن تملك دولة تلفزيونا مجهزا  بأحدث التجهيزات خير من مقعد في الأمم المتحدة " عجبتني هذه الفكرة في ذلك الوقت فوضعتها في مقدمة مذكرة تخرج الليسانس حول القنوات الفضائية وأثرها على الجزائر، وكان البث عبر الأقمار الصناعية في بداياته.

أقول هذا في مقدمتي، لأن الإعلام قطاع سيادي، ونحن اليوم نعيش عهداً إعلامياً جديداً تغيرت فيه الكثير من المفاهيم، ومنها مفهوم السيادة الوطنية، وقد شاركت على المباشر في  التلفزيون الجزائري، في برنامج (حوار الساعة) مع الزميلة فريدة بلقاسم عام 2012، لما طُرح مشروع القانون العضوي لقانون الإعلام على البرلمان، وطرحت مسألة السيادة الوطنية في التلفزيون، وقلت أن الجزائر تحيي كل سنة في 28 أكتوبر ذكرى استرجاع السيادة الوطنية للإذاعة والتلفزيون، قلت أنه كانت السيادة الوطنية للإذاعة والتلفزيون في سياق تاريخي معين خلال الستينيات، أما اليوم في سياق العهد الإعلامي الجديد يختلف مفهوم السيادة الوطنية على وسائل الإعلام السمعية، حيث أصبحت السماء تمطرنا بألاف الفضائيات عبر الأقمار الصناعية، في المرحلة الأولى في منتصف الثمانينيات، والأن دخلنا مرحلة ثانية أكثر تعقيدا وهي عهد الرقمنة l’ère numériqueعبر الأنترنت،وهذه من أكبر التحديات التي تواجهها الدولة في قطاع الإعلام السمعي البصري.

إن التطور التكنولوجي الهائل في مجال وسائل الإعلام الجماهيرية، لاسيما مع انتشار الأنترنت، جعل مفهوم احتكار الدولة للإعلام السمعي البصري يفقد معناه الكلاسيكي بمفهوم سيادة الدولة على القطاع ولا يمكن التشويش أو الشوشرة الإلكترونية على بث الأقمار الصناعية والقنوات التي توجد على النت.

إنفتح المجال السمعي البصري أمام الخواص الذي جاء متأخراً جداً في الجزائر، في رأي لم يكن اختياراً سياسياً بحتاً وإنماجاء نتيجة حتمية تكنولوجية، تعرفون في الدراسات الاجتماعية الأكاديمية هناك مجموعة من الحتميات والتي تشكل نظريات قائمة بذاتها منها: " الحتمية التاريخية الحتمية القيمية وأخيرا الحتمية التكنولوجية لمارشال ماكلوهان الباحث الكندي المختص في وسائل الإعلام الجماهير mass-média.

ولكن في سياق الحديث عن الحتمية التكنولوجية، لا أنفي الاختيار السياسي الذي يدعم التكنولوجيا، كما يتمثل القرار السياسي في مواكبة هذا التطور الإعلامي، ومرافقة القطاع بأليات قانونية وتنظيمية وغيرها. إذن هنا يكمن الدور الأساسي للدولة،وسنتطرق فيما بعد إلى المسؤوليات التي تقع على عاتق الدولة تجاه القطاع بشيء من التفصيل.

إن التطور التكنولوجي مكن نشأة قنوات تلفزيونية قبل صدور القانون العضوي للإعلام بالجزائرالذي نص على فتح مجال السمعي البصري أمام الخواص، والسلطة سمحت لهذه القنوات الخاصة بالاستقبال أو بالبث، في انتظار تنظيم نشاطها من طرف سلطة ضبط السمعي البصري التي كان يترأسها زميلنا السابق في التلفزيون ميلود شرفي، منذ تعيينه سيناتور، إلى اليوم سلطة الضبط السمعي البصري بقيت بدون رئيس، وبدون الأعضاء التسع الذين يتوقف تعيينهم على رئيس الجمهورية، وهذا من صلاحياته، لكن هذاألتأخر في تنصيب سلطة الضبط السمعي البصري خلي قطاع السمعي البصري يعيش في الفوضى التي نراها اليوم، فلا بد من تفعيل هذه الهيئة التي تعتبر من الأليات الضرورية لتنظيم نشاط السمعي البصري.

ومنذ فتح المجال السمعي البصري عام 2012، نشأت حوالي 50 قناة تلفزيونية أو أكثر، وهناك عدد من القنوات لم تعمر طويلاً، واختفت عن المشهد الإعلامي السمعي البصري، بينما هناك خمس قنوات خاصة تحصلت على الاعتماد الرسمي من وزارة الاتصال وهي قنوات:الشروق، النهار، دزاير تي في، الجزائرية، ونوميديا نيوز، أما بقية القنوات غير معتمدة و تُسير بقانون أجنبي، ووجودها ببلادنا يبرره مكتب تمثيل أو صحفي جزائري معتمد في الجزائر فقط. وهذا غير معقول، فلا يمكن أن تستمر هذه الوضعية طويلاً في قطاع حساس واستراتيجي مثل التلفزيون، وكل المشاكل التي تتخبط فيها التلفزيونات من الجانب القانوني والأخلاقي يعود إلى هذا الفراغ.

ومن هنا، تتحدد مسؤولية الدولة في السهر على تنظيم القطاع ومراقبته من خلال أليات مثل سلطة الضبط السمعي البصري،فمن الأحسن أن تكون هذه القنوات خاضعة للقانون الجزائري حتى يسهل التحكم فيها و مراقبتها، وكذلك تكون مسايرة لبرامج الدولة والقضايا الوطنية.

من حيث المحتوى، لا أريد أن اتطرق بالتفصيل إلى برامج هذه التلفزيونات التي تتشابه في معظم القنوات، ولا أريد أن أصدر أحكاماً عليها، ولكني أتسأل ما هي صورة الجزائرالتي تعكسها هذه القنوات؟ عموماً هي صورة سلبية، و لا تتماشى مع الذوق العام ( بحجة الجمهور عايز كده ) ولا تخدم صورة الجزائر، ربما نحن في الجزائر، لا نعرف كيف نثمن الأشياء الجميلة في الإعلام، ولكن نعرف أن ننتقد ونصور اللوحات السوداوية.

في الإعلام المعاصر، نتكلم عن سلطة الصورة، وصناعة الصورة المتحركة خصوصا، نحن في قنواتنا لا نتحكم في صناعة صورة الجزائر لتسويقها إعلاميا أو ثقافيا أو سياحيا أو اقتصاديا للخارج أو حتى للداخل، وصناعة الصورة تخضع للمنظومة الثقافية والسياسية والاقتصادية بنظرة شاملة. في تقديري، هذا يعود إلى غياب استراتيجية إعلامية وطنية في الجزائر. 

وفي سياق الحديث عن سلطة الصورة، قد ترتسم صورة ذهنية للسيادة الوطنية كمفهوم يتشكل من خلال الصورة أو الصور التي يصنعها التلفزيون وهذه إحدى المقاربات الإعلامية الحديثة لدفاع عن السيادة الوطنية مثلما هو الحال في الإعلام الأمريكي المشحون بصور ورموز القوة الأمريكية.

إذن يجب أن تكون السياسة الإعلامية عندنا واضحة في هذا المجال، فالرغم من المجهودات الكبيرة التي بُذلت في القطاع، إلا أن قطاع الإعلام لم يعرف نقلة نوعية وتغيير جذري محكم ومدروس في الجزائر، فقد فُتحت عدة ورشات إصلاحية في قطاعات حساسة وكانت البداية بإصلاح العدالة، وإصلاح قطاع التربية، وإصلاح الخدمة العمومية في الإدارة، و إصلاح المستشفيات..ووو... ولكنالقطاع الوحيد الذي لم يعرف إصلاحاً عميقاً هو قطاع الإعلام، في نظري، ولحد الأن مازال قطاع الإعلام عموما سمعي بصري ومكتوب، عمومي وخاص، يعاني قصوراً في بعض النواحي بسبب التأخر في تنصيب سلطة الضبط السمعي البصري،وانتخاب أعضاء سلطة الضبط الصحافة المكتوبة وتنصيبها، ولجنة أخلاقيات المهنة، وكذلك غياب قانون الإشهار، والإشهار يُعد من أهم مصادر تمويل المؤسسات الإعلامية التي تراجعت بنسبة 60%    بسبب الأزمة الاقتصادية.

من جهة أخرى، من بين التحديات التي تواجه الإعلام السمعي البصري هو تأخرنا .في الإعلام الرقمي، التلفزيون وحده كجهاز كلاسيكي لم يعد كافياً للتأثير والمنافسة في المشهد السمعي البصري الإقليمي والدولي،  فلا بد أن تكون له روافد des relais وأهم رافد هو الإنترنت الذي يسمح بالتفاعلية  l’interactivitéللجمهور مع التلفزيون سواء عن طريق مقاطع فيديو أو تعليق أو عن طريق شبكات التواصلالاجتماعي، في دول الخليج، هم جد متطورين في Social Media وBi-Média ، الأنترنت يسمح ببث أوسع pour mieux propager la diffusion de la télévision، في مشاهدة التلفزيون on parle plus de téléspectateur de télénaute

Téléspectateur est un consommateur passif mais le télénaute est un consommateur actif à travers l’interactivité.

إن حضور القنوات التلفزيونية الجزائرية في شبكة الأنترنت ضعيف جداً وغير مدروس. ضف إلى ذلك، ضعف استقبال الأنترنت في الجزائر، فالأنترنت يعد أحد التحديات الكبرى التي تقف حاجزا أمام تطور القنوات الجزائرية التي تعتمد على التدفق العالي، إذا أردنا أن نطور شبكاتنا التلفزيونية يجب أن نطور شبكات الأنترنت عندنا.

بدون إطالة، على عجالة ألخص فيالنقاط التالية الخطوات التي يجب إتباعها من أجل تطوير الإعلام السمعي البصري في الجزائر، وإذا أردنا ان يحققنجاعته الإعلامية أن نواجه التحديات بمساهمة الدولة ومالكي القنوات الخاصة وكافة المسؤولين في القطاع، يجب:

أولا: تطوير القطاع ومواكبة كل جديد في المجال.

ثانيا: التأهيل لاستدراك التأخر في الجانب التنظيمي للمؤسساتla mise à niveau،ونؤكد أننا لا نفرق بين قطاع عمومي وقطاع خاص فيما يتعلق بتأهيل المؤسسات الإعلامية ضمن برنامج يتوخى تكييف هياكلالموجودة حاليا وتحديث تسييرها البشري و الإداري وإنشاء هياكل إضافية مثل مراكز التكوين مع الحرص على تكييف المنظومة المؤسساتية الحالية مع الأهداف السامية للإعلام منها مبدأ الخدمة العمومية وهو مبدأ مقدس، بل يجب النهوض بالخدمة العمومية بما يعكس المصداقية والمهنية لمؤسساتنا الإعلامية.

ثالثا: تجهيز القطاع بالوسائل التكنولوجية الحديثة وذلك تماشيا مع الثورة الإعلامية في العالم وانعكاساتها على بلادنا.

رابعا: التكوين، شرعت وزارة الاتصال في تكوين الصحافيين منذ سنة أو سنتين فقط، بينما جاءت في توصية تضمنتها رسالة رئيسالجمهورية موجهة للأسرة الإعلامية في اليوم العالمي لحرية الصحافة في الثالث ماي عام 2006،أكد رئيس الجمهورية على ضرورة إنشاء مركز للتكوين المتواصل وتحسين القدرات في مهنة الصحافة والاتصال، تُسند إليه مهمة إمداد فئة الصحفيين بسائر المعارف والخبرات التي تفتضيها التحولات العميقة التي يشهدها قطاع الإعلام والاتصال، لكن هده التوصية لم تطبق في الواقع إلا بعد عشر سنوات، علماً أن من إيجابيات القانون العضوي للإعلام أنه جاء ليكرس الاحترافية في الإعلام، والاحترافية لا تكون إلا بالتكوين المستمر والرسكلة.

في الختام، لاحظتم أني لم أتطرق إلى حرية التعبير عشية اليوم العالمي لحرية الصحافة، إن حرية التعبير ليست شعارات وإنما هي آليات تضبط وتضمن حق ممارسة حرية الصحافةdes mécanismes qui régulent et garantissent la liberté de la presse.

يجب توفير مناخ مناسب وتهيئة فضاء حرية التعبير حتى نمارس هذه الحرية في الأطر القانونية، بل يجب تمكين وسائل الإعلام والصحافيين وتأهيلهم لحرية التعبير مهنياً أخلاقياً ومادياً وتكنولوجياً، وهذا ما تضمنته مداخلتي في مجملها. إذن حرية التعبير هي جزء من التنظيم الشامل للنشاط السمعي البصري، وحرية الصحافة مرهونة بتطوير القطاع على ضوء كل التحديات التي تطرقنا إليها.

 

 

 

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة