الأفلان: .. وصلت الرسالة!
نذير بولقرون
866

الكلام الأخر

الأفلان: .. وصلت الرسالة!

نعم، ماذا عن مستقبل الأفلان؟.. ذلك هو السؤال، الذي عبر عنه الحراك الشعبي بلافتات تقول: " الأفلان ارحل".. أجل، لقد وصلت الرسالة.


كان صوت الشعب مدويا ولا بد أنه قد وصل إلى كل الآذان الصاغية، ومن الجهات المعنية بهذا الصوت حزب الأفلان، حيث كان شعار "الرحيل"، الذي رفعه الحراك الشعبي تحذيرا واضحا، يقول: إن الأفلان محكوم عليه بأن يكون دوما في إصغاء دائم للشعب، لأنه بالشعب يكون وبدونه لن يكون.

وكم يصدق المثل القائل:"رب ضارة نافعة"، على حال الأفلان، الذي يجب عليه أن يأخذ العبرة والاعتبار من ممارساته الخاطئة وأن يصحح مساره ويجدد أواصر علاقته بالشعب، بعد سنوات من التيه والتخبط وفقدان البوصلة.

وأجدني في البداية منحازا إلى فتح نقاش بلا حدود حول كل ما يتعلق بمستقبل الأفلان، ذلك أن سؤال المستقبل يقتضي فتح أوسع نقاش يخوضه الحزب بينه وبين نفسه وأيضا مع محيطه العام، حتى لا ينعزل وينكمش على ماضيه وحتى لا يتكلس وتصاب مفاصله بالضمور والهزال.

وأجدني كذلك مدفوعا لتوضيح ما قد يبدو واضحا، وهو أن الأفلان الذي يعني مناضليه بالدرجة الأولى باعتبار أنهم المعنيون بتحديد مستقبله وتحديد مصيره لا ينبغي عزله عن محيطه الذي يتغذى منه ويعيش من أجله، إذ أن الشعب هو أساس وجوده، وهنا تتأكد الحاجة إلى ضرورة أن يعكس الأفلان، برجاله ونسائه وبرنامجه ومواقفه، ما يرجوه منه الجزائريون، وإلا أصبح مجرد هيكل بلا روح ولا فائدة ولا وظيفة.

لذلك يصبح من الضرورة الملحة والعاجلة، إعادة "تلميع" وإبراز صورة الأفلان وتحديد ماهيته وضبط معالمه وبلورة توجهاته، وهنا قد يقول قائل: هل فقد الأفلان خصوصياته ومميزاته وأصبح بلا لون ولا رائحة، ومن ثم وجب عليه أن يبحث عن ذاته التي ضاعت منه، بفعل فاعل وكذا بسبب تضييع المبادئ والقناعات وسيطرة الوصولية والانقسامات.

ولنا أن نتساءل أيضا: هل الأفلان حزب الماضي الملتصق فقط بمرجعية بيان أول نوفمبر؟ وهنا أجدني حريصا على تلك المرجعية، لصيقا بها وغير مفرط فيها مهما تغيرت الأحوال وتبدلت الأزمان، لكن ماذا عن المستقبل، كيف يمكن تحويل روح جبهة التحرير التاريخية التي تشغل مكانة مرموقة في الذاكرة الجماعية للشعب إلى طاقة حية تلهب حماس المناضلين والأنصار والمتعاطفين وكذا عموم الشعب.

إن الشعب بحاجة إلى الأفلان القوي والمستقبلي والملتصق بقضاياه، لكن ما هي الآليات الكفيلة ببلوغ ذلك الهدف وبما يضمن أن يكون الأفلان القاسم المشترك الأكبر لأغلبية الجزائريين على رقعة المشهد السياسي التعددي والأكثر ارتباطا بواقعهم وهمومهم وطموحاتهم.

يقول المثل:" اعرف نفسك حتى تعرف عدوك"، وبالتأكيد فالأفلان يعرف نفسه جيدا وهو ليس بصدد البحث عن هوية أو نسب، لكن ذلك كله لا يمنع من ضرورة فحص الزاد وبلورة الرؤى وضبط المعالم، دون الإخلال بالمبادئ الأساسية والأفكار الحية والمرجعيات القائدة، وهي كلها تؤكد بأن الأفلان ولد من صلب الشعب ويجب أن يكون صوته وفي خدمته أولا وأخيرا.

إن الأفلان مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن يراجع نفسه، يتأمل ويتدبر ويستشرف ويصحح، كما أنه مدعو إلى تأكيد قدرته على التأقلم والتكيف مع المتغيرات والمستجدات، والبرهنة من خلال امتحانات عسيرة على أنه أكثر قربا من المواطن، واضعا نفسه تحت طلبه ورهن إشارته.

إن من واجب الأفلان،- وهذا ما عبر عنه الحراك الشعبي بقوة- أن يتفرد ويتميز بمرجعيته وطروحاته وأن يعود إلى أصوله، ثم إن الأفلان لا ينبغي أن يكون ذلك الحزب الراكد والجامد، الذي يعيش على مخزونه التاريخي ورمزية شعاره وأمجاد ماضيه، بل يجب إعطاء الأفلان صورة الحزب العصري، المتجه بعزم وثبات وقوة نحو المستقبل، يعتمد على تراكم أفكاره الحية، لكي يستمد منها "الذخيرة" في مسيرة تجدده وانفتاحه على محيطه العام وعلى الطاقات الحية في المجتمع، من الشباب والإطارات والكفاءات والنخبة العالمة.

سؤال المستقبل يقتضي من الأفلان أن يتجدد في فكره، في خطابه، في تعاطيه للفعل السياسي، في قدرته على التكيف بإيجابية مع المتغيرات وكذا مواكبة الأحداث بمواقف واضحة وصارمة من القضايا الأساسية، مثل: الديمقراطية، العدالة الاجتماعية، الإسلام، اللغة العربية، الأمازيغية، القضايا الاقتصادية، وإلى غير ذلك من المسائل ذات الصلة المباشرة باهتمامات المواطن ومستقبل الأجيال.

ينبغي التفكير في قراءة متأنية لبيان أول نوفمبر بغرض الغوص في عمق أهدافه واستيضاح مضامينه وما يعنيه اليوم- على سبيل المثال- مدلول " دولة ديمقراطية، اجتماعية في إطار المبادئ الإسلامية"، وإذا كان واضحا أن الهدف ليس التشكيك ولا إعادة التأسيس، أليس المطلوب هو التثبيت والتكريس والتفعيل لتلك المرجعية التي لا يجب أن تبقى مجرد حروف ونصوص. هذه المهمة هي من أولويات الأفلان في هذه المرحلة، حتى ييكون تجاوبه مع مطالب الحراك الشعبي مدروسا وذا أهداف محددة.

نعم، ألا يجدر التساؤل: هل للأفلان اليوم وجود وفاعلية في الشارع السياسي تتناسب مع حجمه وتاريخه، ما الأرضية التي يقف عليها، ما هي قاعدته الاجتماعية وما هو تيار الرأي الذي يحدد سياسته وهل تعكس مواقفه انشغالات المواطنين، بمختلف فئاتهم، أم أن هناك قطيعة مع الشعب أو على الأقل وجود فجوة ظلت تتسع، بفعل ممارسات فوقية، شوهت صورة الحزب وأبعدته عن الشعب، إن لم نقل أنها أصبحت على نقيض مع مصالحه.

كيف يمكن أن يتجدد فكر الأفلان وكيف يمكن إبراز هويته، التي لا تتنكر للماضي ولكنها لا تجمد فيه، وكيف يمكن ترميم العلاقة مع الشعب وتقويتها وإعادتها إلى الصورة الناصعة، التي طالب بها الحراك الشعبي، من خلال موجة غضب، تحمل رسالة واضحة، تقول: إن الشعب يريد من الأفلان أن يكون حزب الشعب وليس فوق الشعب.

أليس المطلوب هو بلورة رؤية استشرافية، ترتكز على الأفكار الحية وتنطلق إلى الحراك الفكري والاجتماعي ورهانات المتغيرات الداخلية والخارجية وكذا تحديات رسالة الأمل المعلقة على الأفلان، باعتباره حامل تراث الوطنية، الذي عليه أن يثبت بأن لديه القدرة على التميز، من خلال تجسيد خاصيته الشعبية وجوهر وجوده كحزب وطني، مؤتمن على إرادة ومصلحة الشعب والثوابت الوطنية وقيم الجمهورية ودولة الحق والقانون.

نعم، ماذا عن المستقبل؟.. ذلك هو السؤال، الذي عبر عنه الحراك الشعبي بلافتات تقول: " الأفلان ارحل".. أجل، لقد وصلت الرسالة.

أول الكلام

" إذا أردت شيئا واحدا من الحياة فلتكن الحرية".

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة