إقرار ماكرون والتعذيب المعولم
معن بشور
701

إقرار ماكرون والتعذيب المعولم

  لم يكن الجزائريون، ومعهم أبناء الأمّة العربية والإسلامية بحاجة إلى اعتراف الرئيس الفرنسي ماكرون بوجود نظام تعذيب في الجزائر على يد الاحتلال الفرنسي، وأن أستاذ الرياضيات في جامعة الجزائر المناضل في صفوف الثورة الجزائرية موريس أودان، قد استشهد تحت التعذيب في السجون الفرنسية حتى يدركوا كم تعرض المجاهدون الجزائريون إلى وحشية قاتلة على يد المستعمرين الفرنسيين، سواء كأفراد أو كجماعات، كما جرى في 8 ماي 1945 حين استشهد عشرات الآلاف من الجزائريين في يوم واحد، حين خرجوا محتفلين بانتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية ومطالبين باستقلال الجزائر التي قاتل الآلاف من أبنائها في صفوف الحلفاء.


ورغم مرور نحو 64 عاماً على اندلاع الثورة الجزائرية التحريرية في 1/11/1954، وأكثر من 56 عاماً على استقلال الجزائر في 5/6/1962، فإن الشعب الجزائري ما زال ينتظر اعتذاراً رسمياً فرنسياً على مجمل الجرائم والمذابح والمظالم التي تعرض لها على مدى 130 سنة من أجل أن تستقيم العلاقات بين فرنسا والجزائر وتدخل مرحلة صحية، كما هي العلاقات الطبيعية بين الشعوب.

لا شك فيه أن هذا الإقرار من جانب رئيس الجمهورية الفرنسية حول نظام التعذيب الذي أقامته بلاده خلال استعمارها للجزائر هو خطوة إيجابية على الطريق الصحيح، وتذكر بخطوة تاريخية مماثلة أقدم عليها الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك، كما أنها خطوة تأتي في سياق مسار أقدم خلاله الرئيس الفرنسي السابق هولاند على الإقرار  بالآلام التي سببها الاستعمار الفرنسي للجزائريين، لكن هذه الخطوات لم ترق بعد إلى الاعتذار الصريح للشعب الجزائري.

وإذا كان الرئيس الفرنسي الحالي الشاب قد ولد بعد استقلال الجزائر قد شعر بتأنيب الضمير من جراء الإخفاء القسري لعالم الرياضيات والمناضل الشيوعي أودان على يد قوات الاحتلال، ثم مصرعه تحت التعذيب بعد اختطافه، وذهب لزيارة أرملة اودان وأولاده الثلاثة معتذراً، فإن أكثر من مليون ونصف المليون شهيد من أبناء الجزائر ما زالوا ينتظرون "زيارات" اعتذار مماثلة، لاسيّما أن بينهم قادة كبار قد قضوا تحت التعذيب على يد جنرالات الجيش الفرنسي كالعربي بن مهيدي صاحب القول المأثور "ألقوا بالثورة إلى الشارع يحتضنها الشعب"، والذي جرى اعتقاله وتعذيبه وقتله شنقاً على يد الجنرال الفرنسي "بول أوساريس" سنة 1957، وكالشهداء القادة مصطفى بولعيد، وديدوش مراد، أحمد بن عبد الرزاق حمودة (سي الحواس) وزميله في الاستشهاد العقيد عميروش، بالإضافة إلى عشرات الألاف من القادة والمجاهدين الشهداء ومئات الآلاف من المدنيين العزل الذين فقدوا حياتهم في حملات الإبادة الاستعمارية.

وفي وقت نرى فيه حكام الغرب، بما فيهم حكام فرنسا، يتباكون على ما ارتكبته النازية من جرائم بحق اليهود، ويحاولون باسم الهولوكست الذي نستنكره جميعاً، تبرير اغتصاب فلسطين وتشريد شعبها، نلاحظ تمنعاً فرنسياً رسمياً حتى الساعة عن الإقرار بما تعرضت له الشعوب التي وقعت تحت نير استعمارها من تعذيب وإبادة ووحشية، بل نرى الإنكار والمكابرة يخيمان على نظرتها لما ارتكب بحق هذه الشعوب وفي طليعتها الشعب الجزائري، من مجازر وحروب إبادة.

إن إقرار الرئيس الفرنسي ماكرون بوجود "نظام تعذيب" في بلاده أبّان الثورة الجزائرية، ينبغي أن يكون خطوة بالاتجاه الصحيح لفتح ملف الجرائم الاستعمارية كلها ليس في الجزائر وحدها بل في العالم كله، لاسيّما في بلادنا العربية والإسلامية التي ما زالت تعاني من جرائم ومظالم ومجازر استعمارية وصهيونية حتى اليوم.

وقد تكون أكثر من مصادفة أن يأتي هذا الجزئي "الإقرار الجريء" بجريمة التعذيب بحق موريس اودان في وقت يتذكر فيه الفلسطينيون واللبنانيون والعالم كله مجزرة صبرا وشاتيلا التي ارتكبها المحتل الصهيوني في بيروت في مثل هذه الأيام عام 1982،  والتي ذهب ضحيتها على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي وأدواته أكثر من ثلاثة الاف شهيد أكثرهم من النساء والأطفال والشيوخ، والتي ما زال مرتكبوها خارج أي محاسبة أو محاكمة، مما شجع قادة الجيش الإسرائيلي وغيرهم على الإمعان في إقامة المجازر في فلسطين وغيرها من بلدان أقطار الأمّة حتى الساعة، مطمئنين إلى الإفلات من المحاكم بسبب التواطؤ الدولي معهم والذي كشف عنه قبل أيام السيد جون بولتون مستشار الرئيس ترامب حين هدد المحكمة الجنائية الدولية بإجراءات عقابية فيما لو تجرأت وحاكمت الكيان الصهيوني على جرائمه في أي مكان من هذه المعمورة.

وإذا كان التعذيب جريمة ضد الإنسانية بنظر الرئيس الفرنسي، فما رأيه بمشاهد التعذيب التي آها العالم بأسره في معسكر أبو غريب في العراق بعد احتلال بلاد الرافدين على يد القوات الأمريكية والبريطانية، والتي ما زال مرتكبوها دون محاكمة رغم مرور أكثر من 13 عاماً على وقوع عمليات التعذيب تلك.

فلماذا لا يكون إقرار ماكرون الأخير، خطوة على فتح ملفات جرائم التعذيب والإبادة الجماعية في الجزائر، وفي كل أرجاء العالم، لاسيّما في بلادنا العربية والإسلامية، لكي يكتشف الرأي العام العالمي حجم التناقض بين ادعاءات حقوق الإنسان التي يتشدق بها حكام الغرب وبين وقائع الجرائم ضد الإنسانية التي يرتكبها هؤلاء باسم "الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان".

إنه التعذيب المعولم.. والذي بات أحد سمات العصر الحديث.. والمطلوب جبهة عالمية لمناهضة التعذيب، سواء كان من الخارج أو في الداخل.

والاختفائات القسرية من  طرف رجال شرطة  وحركى تصرفوا بناء على أوامر من محافظ الشرطة آنذاك، موريس  بابون.

الأمين العام الأسبق للمؤتمر القومي العربي

معن بشور

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة