أي فتوى نحتاج؟
سليم قلالة
103

أي فتوى نحتاج؟

يختفي البعض أحيانا خلف الفتاوى الدينية ليجدوا لأنفسهم مكانة اجتماعية افتقدوها أو ليحافظوا على موقع سلطة أو وجاهة اكتسبوه. ويجعل البعض الآخر من الفتوى وسيلة لإخافة الناس وإبقائهم تحت سلطته المعنوية والمادية، والمالية أيضا، ليكونوا حزبه الغالب أو فرقته الناجية. ويغوص الكثير من المفتين في تفاصيل مظاهر الحياة اليومية للناس المثيرة للجدل خاصة تلك التي لم يسبق لها الأولون خاصة ما تعلق بمظاهر التقدم التكنولوجي والحياة المعاصرة. وهكذا بدل أن تُصبح الفتوى وسيلة لمرافقة الأمة لإعادة بناء نفسها واستنهاض همتها وتوحيد كلمتها أصبحت أداة لتقسيمها حول تفاصيل كانت وما زالت وستبقى محل اجتهاد وخلاف خاصة فيما تعلق بالمعاملات والعادات ومظاهر التطور المعاصر….

والمشكلة الكبرى في هذا المجال أن الكثير مِنّا يعتقد أن عالم الفتوى هذا متروك للمسلمين وحدهم من غير تدخل قوى خفية ومراكز مختصة في بث الخلافات بين المسلمين، وتدخل مختصين في تخريب الأمم يبحثون ليل نهار فيما يمكن من خلاله إلهاء أو توجيه هذه الأمة إلى ما يزيد من فرقتها ويعمق الخلافات بينها حول تفاصيل التفاصيل التي لا نهاية لها….

إننا نتساءل لماذا يبرز جدال في لحظة واحدة بين المسلمين عن مادة  الخل أو جناح الذبابة أو جهاد الروس ونصرة القاعدة ثم يختفي فجأة؟ لماذا تظهر إلى السطح في لحظة معينة فتاوى تخرج بعض المسلمين من دائرة الإسلام وتضع آخرين أوصياء عليهم ثم تختفي فجأة؟ لماذا يعود الخلاف في كل سنة بين المسلمين حول هلال رمضان ويوم العيد ومدى مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي وعاشوراء ورأس السنة الهجرية؟ هل كانت هذه أسئلة الأمة الرئيسة يوم بدأت نهضتها في القرن التاسع عشر؟ أم كانت تلك المتعلقة بالوحدة الإسلامية وبالتحرر من الهيمنة الغربية وإنشاء عصبة أمم إسلامية تستعيد أمجاد الخلافة وتُعيد بناء دولة الإسلام؟ هل نحن في تراجع عما بدأناه في معركة تحرير الأرض أم في تقدم؟

هل  المشكلات المطروحة اليوم هي مشكلات الأمة الرئيسة أم أن مشكلاتها الأولى هي الجهل والاستبداد بجميع أشكاله والعيش عالة على الآخرين والبقاء في ذيل ترتيب الأمم من حيث القوة والمَنَعَة والوجود ذاته؟

إلى متى لا نطرح الأسئلة الصحيحة التي تُمكِّننا من استعادة وعينا بالوجود أولا ثم قدرتنا على الحركة على أرض صلبة بعيدا عن تبديد الطاقات وتشتيت الأفكار ومَنْعِنا من أن نَتَّحد حول كلمة سواء تجمعنا؟.

إننا بحق في حاجة إلى مفتين؛ ولكن إلى مفتين من نوع آخر؛ لا يهتمون بالجزئيات المُختلَف بشأنها، إنما بالكليات التي هي أساس الوجود… وعندما نوجد كأمة ونستعيد مكانتنا بين الأمم يكون للحديث عن التفاصيل شأن آخر…

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها بالعلامة(*). علامات HTML غير مسموحة